العفو والاحتمال بل كلّ ما يحتمل تنزيله على وجه حسن ويتصوّر تمهيد عذر فيه قريب أو بعيد فهو واجب بحقّ الأخوّة فقد قيل : ينبغي أن تستنبط لزلَّة أخيك سبعين عذرا فإن لم يقبله قلبك فنقول لقلبك : ما أقساك يعتذر إليك أخوك سبعين عذرا فلا تقبله فأنت المعتب لإخوك ، فان ظهر بحيث لم يقبل التحسين فينبغي أن لا تغضب إن قدرت ولكن ذلك لا يمكن ، وقد قيل : من استغضب ولم يغضب فهو حمار ، ومن استرضى فلم يرض فهو شيطان ، فلا تكن حمارا ولا شيطانا واسترض قلبك بنفسك نيابة عن أخيك واحترز أن تكون شيطانا إن لم تقبل ، وقد قيل : خذ من خليلك ما صفى دون الَّذي فيه الكدر * فالعمر أقصر من معاتبة الخليل على العثر ومهما اعتذر أخوك كاذبا أو صادقا فاقبل عذره ، قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من اعتذر إليه أخوه فلم يقبل فعليه مثل إثم صاحب المكس » ( 1 ) . وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « المؤمن سريع الغضب سريع الرّضا » فلم يصفه بأنّه لا يغضب وقد قال اللَّه تعالى « والكاظمين الغيظ ( 2 ) » ولم يقل : والفاقدين الغيظ وهذا لأنّ العادة لا تنتهي إلى أن يجرح الإنسان فلم يتألَّم ، بل ينتهي إلى أن يصبر عليه ويحتمل وكما أن التألَّم بالجرح مقتضى طبع البدن فالتألَّم بأسباب الغضب طبع للقلب لا يمكن قلعه ولكن يمكن ضبطه وكظمه والعمل بخلاف مقتضاه فإنّه يقتضي التشفّي والانتقام والمكافاة وترك العمل بمقتضاه ممكن وقال الشاعر : ولست بمستبق أخا لا تلمّه * على شعث أيّ الرّجال المهذّب قال أبو سليمان لأحمد بن أبي الحوارى : إذا آخيت أخا في هذا الزّمان فلا تعاتبه على ما تكرهه فإنك لا تأمن أن ترى في جوابك ما هو شرّ من الأوّل ، قال : فجرّبته فوجدته كذلك ، وقال بعضهم : الصبر على مضض الأخ خير من معاتبته ، والمعاتبة خير من القطيعة ، والقطيعة خير من الوقيعة ، وينبغي أن لا يبالغ في البغض عند الوقيعة ، قال اللَّه تعالى : « عسى اللَّه أن يجعل بينكم وبين الَّذين عاديتم منهم
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 339
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٣٩
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 3718 من حديث جوزان . وصاحب المكس : العشار .
( 2 ) آل عمران : 134 .