تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧

وروي في الاسرائيليّات أنّ أخوين عابدين في جبل نزل أحدهما ليشتري من المصر لحما بدرهم فرأى بغيّة ( 1 ) عند اللَّحام فرمقها وعشقها وواقعها ، ثمّ أقام عندها ثلاثا واستحيي أن يرجع إلى أخيه من جنايته ، قال : فافتقده أخوه واهتمّ بشأنه فنزل إلى المدينة فلم يزل يسأل عنه حتّى دلّ عليه فدخل إليه وهو جالس معها فاعتنقه وجعل يقبّله ويلتزمه وأنكر الآخر أنّه يعرفه لفرط استحيائه منه فقال : قم يا أخي فقد علمت شأنك وقصّتك وما كنت قطَّ أحبّ إليّ ولا أعزّ عندي من ساعتك هذه فلمّا رأى أنّ ذلك لم يسقطه عن عينه قام فانصرف معه فهذه طريقة قوم وهي ألطف وأفقه من طريقة أبي ذرّ وطريقته أحسن وأسلم . فإن قلت : فلم قلت : هذا ألطف وأفقه ومقارف هذه المعصية لا يجوز مؤاخاته ابتداء فيجب مقاطعته انتهاء لأنّ الحكم إذا ثبت بعلَّة فلا بدّ أن يزول بزوالها وعلَّة عقد الأخوّة التعاون في الدّين ولا يستمرّ ذلك مع مقارفة المعصية . فأقول : أمّا كونه ألطف فلما فيه من الرّفق والاستمالة والتعطَّف المفضي إلى الرجوع والتوبة لاستمرار الحياء عند دوام الصحبة ومهما قوطع وانقطع طمعه عن الصحبة أصرّ واستمرّ ، وأمّا كونه أفقه فمن حيث إنّ الأخوة عقد تنزل منزلة القرابة فإذا انعقدت تأكَّد الحقّ ووجب الوفاء بموجب العقد ومن الوفاء به أن لا يهمل أيّام حاجته وفقره وفقر الدين أشدّ من فقر المال وقد أصابته جائحة وألمت به آفة افتقر بسببها في دينه ، فينبغي أن يراقب ويراعى ولا يهمل بل لا يزال يتلطَّف به ليعان على الخلاص من الواقعة الَّتي ألمت به فالأخوّة عدّة للنائبات وحوادث الزمان وهذا من أشدّ النوائب ، والفاجر إذا صحب تقيّا وهو ينظر إلى خوفه ومداومته فسيرجع على قرب ويستحيي من الإصرار ، بل الكسلان يصحب الحريص في العمل فيحرص حياء منه ، قال جعفر بن سليمان : مهما فترت في العمل نظرت إلى محمّد بن واسع وإقباله على الطاعة فيرجع نشاطي إلى العبادة ويفارقني الكسل وعملت عليه أسبوعا .

هامش
( 1 ) البغية - بكسر الغين المعجمة وتشديد الياء المثناة من تحت - : الزانية .