تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨

وهذا التحقيق وهو أنّ الصداقة لحمة كلحمة النسب والقريب لا يجوز أن يهجر بالمعصية ولذلك قال اللَّه تعالى لنبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في عشيرته : « فإن عصوك فقل إنّي بريء ممّا تعملون ( 1 ) » ولم يقل : إنّي بريء منكم مراعاة لحقّ القرابة ولحمة النسب ، وإلى هذا أشار أبو الدّرداء لمّا قيل له : ألا تبغض أخاك وقد عمل كذا ؟ فقال : إنّما أبغض عمله وإلا فهو أخي وأخوّة الدّين آكد من أخوّة القرابة ، ولذلك قيل لحكيم : أيّما أحبّ إليك أخوك أو صديقك ؟ فقال : إنّما أحبّ أخي إذا كان صديقا ، وكان بعضهم يقول : كم من أخ لم تلده أمّك ، ولذلك قيل : القرابة تحتاج إلى مودّة والمودّة لا تحتاج إلى قرابة . وقال جعفر الصادق عليه السّلام « مودّة يوم صلة ومودّة شهر قرابة ومودّة سنّة رحم ماسّة من قطعها قطعه اللَّه ( 2 ) » . فإذن الوفاء بعقد الأخوّة إذا سبق انعقادها واجب وهذا جواب عن ابتداء المؤاخاة مع الفاسق فإنّه لم يتقدّم له حقّ فإن تقدّمت له قرابة فلا جرم لا ينبغي أن يقاطع بل يجامل والدّليل عليه أنّ ترك المؤاخاة والصحبة ابتداء ليس بمذموم ولا مكروه بل قال قائلون : الانفراد أولى فأمّا قطع الأخوّة في دوامها فمنهيّ عنه ومذموم في نفسه ، ونسبته إلى تركه ابتداء كنسبة الطلاق إلى ترك النكاح والطلاق أبغض إلى اللَّه من ترك النكاح قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « شرار عباد اللَّه المشّاؤون بالنميمة ، المفرّقون بين الأحبّة ( 3 ) » فبهذا كلَّه يتبيّن الفرق بين الدّوام والابتداء لأنّ مخالطة الفسّاق محذورة ومفارقة الإخوان والأحباب أيضا محذورة وليس ما سلم من معارضة غيره كالَّذي لم يسلم وفي الابتداء قد سلم فرأينا أنّ المهاجرة والتباعد هو الأولى وفي الدوام تعارضا فكان الوفاء بحقّ الأخوّة أولى ، هذا كلَّه في زلَّته في دينه أمّا زلَّته في حقّه بما يوجب إيحاشة فلا خلاف في أنّ الأولى

هامش
( 1 ) الشعراء : 216 .
( 2 ) تقدم سابقا .
( 3 ) أخرجه ابن أبي الدنيا وأحمد كما في الترغيب ج 3 ص 499 وقد مر سابقا .