تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
مذمومة اتّصفت بها لتزكَّي نفسك عنها كان كمن نبّهك على حيّة أو عقرب تحت ذيلك وقد همّت بإهلاكك فإن كنت تكره ذلك فما أشدّ حمقك ، والصّفات الذّميمة عقارب وحيّات وهي في الآخرة مهلكات فإنّها تلدغ القلوب والأرواح ، وألمها أشدّ ممّا يلدغ الظواهر والأجساد وهي مخلوقة من نار اللَّه الموقدة الَّتي تطَّلع على الأفئدة ولذلك قيل : رحم اللَّه امرءا أهدى إلى أخيه عيوبه . [ واعلم أنّ من قرء القرآن ولم يستغن وآثر الدنيا لم آمن أن يكون بآيات اللَّه من المستهزئين ، وقد وصف اللَّه تعالى الكاذبين ببغضهم للناصحين إذ قال تعالى : - ولكن لا تحبّون الناصحين - ] وهذا في عيب هو غافل عنه ، فأمّا ما علمت أنّه يعلمه من نفسه وإنّما هو مقهور عليه من طبعه فلا ينبغي أن تكشف فيه ستره إن كان يخفيه وإن كان يظهره فلا بدّ من التلطَّف في النصح بالتعريض مرّة وبالتصريح أخرى إلى حدّ لا يؤدي إلى الإيحاش فإن علمت أنّ النصح غير مؤثّر فيه وأنّه مضطرّ من طبعه إلى الإصرار فالسكوت عنه أولى ، وهذا كلَّه فيما يتعلَّق بمصالح أخيك في دنياه ودينه ، وأمّا ما يتعلَّق بتقصيره في حقّك فالواجب فيه الاحتمال والعفو والصفح والتعامي عنه فالتعرّض لذلك ليس من النصح في شيء نعم إن كان بحيث يؤدّي استمراره عليه إلى القطيعة فالعتاب في السرّ خير من القطيعة ، والتعريض به خير من التصريح ، والمكاتبة خير من المشافهة ، والاحتمال خير من الكلّ إذ ينبغي أن يكون قصدك من أخيك إصلاح نفسك بمراعاتك إيّاه وقيامك بحقّه واحتمالك تقصيره لا الاستعانة به والاسترفاق منه . قال أبو علي الرّباطي : صحبت عبد اللَّه المروزيّ فكان يدخل البادية فقال : على أن تكون أنت الأمير أو أنا ؟ فقلت : بل أنت ، فقال : وعليك الطاعة ، فقلت : نعم ، فأخذ مخلاة ووضع فيها الزّاد وحملها على ظهره فإذا قلت له : أعطني قال : ألست أنا الأمير فعليك الطاعة ؟ فأخذنا المطر ليلة فوقف على رأسي إلى الصباح وعليه كساء وأنا جالس يمنع عنّي المطر فكنت أقول مع نفسي ليتني متّ ولم أقل : أنت الأمير .