وقال سعيد بن العاص : لجليسي عليّ ثلاث : إذا دنا رحبّت به ، وإذا حدّث أصغيت إليه ، وإذا جلس أوسعت له ، وقد قال تعالى « رحماء بينهم » ( 1 ) إشارة إلى الشفقة والإكرام ومن تمام الشفقة أن لا ينفرد بطعام لذيذ أو بحضور في مسرّة دونه بل يتنغّص لفراقه ويستوحش بانفراده من أخيه . الحق الثالث على اللَّسان بالسكوت مرّة والنطق أخرى أمّا السكوت فهو أن يسكت عن ذكر عيوبه في حضرته وغيبته بل يتجاهل عنه ويسكت عن الردّ عليه فيما يتكلَّم به فلا يماريه ولا يناقشه وأن يسكت عن التجسّس والسؤال عن أحواله وإذا رآه في طريق أو حاجة ولم يفاتحه بذكر غرضه ومصدره ومورده فلا يسأله عنه ، فربّما يثقل عليه ذكره أو يحتاج إلى أن يكذب فيه وأن يسكت عن أسراره الَّتي ينهي إليه ولا ينهي إلى غيره البتّة ولا إلى أخصّ أصدقائه ولا يكشف شيئا منه ولو بعد القطيعة والوحشة فإنّ ذلك من لوم الطبع وخبث الباطن وأن يسكت عن القدح في أحبّائه وأهله وولده ، وأن يسكت عن حكاية قدح غيره فيه فإنّ الَّذي سبّك من بلَّغك . قيل : « كان النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لا يواجه أحدا بشيء يكرهه » ( 2 ) والتأذّي يحصل أوّلا من المبلَّغ ثمّ من القائل ، نعم لا ينبغي أن يخفي ما يسمع من الثناء عليه فإنّ السرور يحصل أوّلا من المبلَّغ للمدح ثمّ من القائل فاخفاء ذلك من الحسد وبالجملة فليسكت عن كلّ كلام يكرهه جملة وتفصيلا إلا إذا وجب عليه النطق في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ولم يجد رخصة في السكوت فإذ ذاك لا يبالي بكراهته فإنّ ذلك إحسان إليه في التحقيق وإن كان يظنّ أنّه إساءة في الظاهر وأمّا ذكر مساويه وعيوبه ومساوي أهله فهو من الغيبة وذلك حرام في حقّ كلّ مسلم ويزجرك عنه أمران .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 323
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٢٣
هامش
( 1 ) الفتح : 29 .
( 2 ) أخرجه أحمد وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد بسند صحيح كما في الجامع الصغير الشمائل .