ولا تدابروا وكونوا عباد اللَّه إخوانا » ( 1 ) والتجسّس في تطَّلع الأخبار والتحسّس في المراقبة بالعين فستر العيوب والتجاهل والتغافل عنها شيمة أهل الدّين ويكفيك تنبيها على كمال الرتبة في ستر القبيح وإظهار الجميل أنّ اللَّه تعالى وصف به في الدّعاء فقيل : يا من أظهر الجميل وستر القبيح ، والمرضيّ عند اللَّه من تخلَّق بأخلاقه وإنّه ستّار العيوب وغفّار الذنوب ومتجاوز عن العبيد فكيف لا تتجاوز أنت عمّن هو مثلك أو فوقك وما هو بكلّ حال عبدك ومخلوقك وقد قال عيسى عليه السّلام : كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائما فكشفت الريح عنه ثوبه ؟ قالوا : نستّره ونغطَّيه قال : بل تكشفون عورته قالوا : سبحان اللَّه من يفعل هذا ؟ فقال : أحدكم يسمع في أخيه الكلمة فيزيد عليها ويشيعها بأعظم منها . واعلم أنّه لا يتمّ إيمان المرء ما لم يحبّ لأخيه ما يحبّه لنفسه وأقلّ درجات الإيمان أن يعامل أخاه بما يحبّ أن يعامله به ولا شكّ في أنّه ينتظر منه ستر العورة والسكوت عن المساوي والعيوب ولو ظهر له منه نقيض ما ينتظره اشتدّ عليه غيظه وغضبه فما أبعده عن الحقّ إذا كان ينتظر منه ما لا يضمره له ولا يعزم عليه لأجله وويل له في نصّ كتاب اللَّه تعالى حيث قال : « ويل للمطفّفين . الَّذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون . وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ( 2 ) » فكلّ من يلتمس الإنصاف أكثر ممّا تسمح به نفسه فهو داخل تحت مقتضى هذه الآية ومنشأ التقصير في ستر العورة أو السعي في كشفها الدّاء الدّفين في الباطن وهو الحقد والحسد فإنّ الحقود والحسود يمتلي باطنه بالخبث ولكنّه يحبسه في باطنه ويخفيه ولا يبديه مهما لم يجد مجالا فإذا وجد فرصة انحلَّت الرابطة وارتفع الحياء ورشح الباطن بخبثه الدّفين ومهما انطوى الباطن على حقد وحسد فالانقطاع أولى . قال بعض الحكماء : ظاهر العتاب خير من مكنون الحقد ولا يزيد لطف الحقود إلا وحشة منه ومن في قلبه سخيمة على مسلم فإيمانه ضعيف وأمره مخطر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 326
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٢٦
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ج 8 ص 23 وهو من تتمة الحديث الذي رواه مسلم قبله .
( 2 ) المطففين 2 إلى 4 .