وقد رسم أبو حامد في هذا الأصل مسائل نذكر منها بعضا وندع بعضا . مسألة - إذا كان في يده حلال وحرام أو شبهة ولم يفضل الكلّ عن حاجته فإذا كان له عيال فليخصّ نفسه بالحلال لأنّ الحجّة عليه في نفسه أو كد منه في عبده وعياله وأولاده الصغار والكبار من أولاده ، يحرسهم من الحرام إن كان لا يفضي بهم ذلك إلى ما هو أشدّ منه فإن أفضى فليطعمهم بقدر الحاجة ، وبالجملة كلّ ما يحذر في غيره فهو محذور في نفسه وزيادة وهو أنّه يتناول مع العلم والعيال في نفسه ربّما تعذر إذا لم تعلم إذ لم تتوّل الأمر بنفسها ، فليبدأ بالحلال بنفسه ثمّ بمن يعول ، وإذا تردّد في حقّ نفسه بين ما يخصّ قوته وكسوته وبين غيره من المؤمن كأجرة الحجّام والصبّاغ والقصّار ، والاطلاء بالنورة ، والدّهن ، والحمّال ، وعمارة المنزل وتعهّد الدّابة ، وتسجير التنوّر ، وثمن الحطب ، ودهن السراج فليخصّ بالحلال قوته ولباسه فإنّ ما يتعلَّق ببدنه ولا غنى به عنه هو أولى بأن يكون طيّبا وإذا دار الأمر بين القوت واللَّباس فيحتمل أن يقال : يخصّ القوت بالحلال لأنّه الممتزج بلحمه ودمه ، وكلّ لحم ربّي من حرام فالنّار أولى به ، وأمّا الكسوة ففائدتها ستر عورته ودفع الحرّ والبرد والأبصار عن بشرته وهذا هو الأظهر عندي . وقال المحاسبي [ 1 ] يقدّم اللَّباس لأنّه يبقى عليه مدّة والطعام لا يبقى عليه ولما روي « أنّه لا يقبل صلاة من عليه ثوب اشتراه بعشرة دراهم فيها درهم حرام » ( 1 ) . وهذا محتمل ولكن أمثال هذا قد ورد فيمن في بطنه حرام ونبت لحمه من حرام فمراعاة اللَّحم والعظم أن ينبت من الحلال أولى ولذلك تقيّأ بعضهم ممّا شربه من الحرام مع الجهل حتّى لا ينبت منه لحم يثبت ويبقى . فإن قيل : فإذا كان الكلّ منصرفا إلى أغراضه فأيّ فرق بين نفسه وبين غيره وبين جهة وجهة وما مدرك هذا الفرق ؟ فأقول : عرف ذلك ممّا روي أن رافع بن خديج مات وخلف ناضحا وعبدا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 245
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٤٥
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد من حديث ابن عمر وقد تقدم ص 204 .
[ 1 ] هو أبو عبد اللَّه الحارث بن أسد المحاسبي صاحب كتاب الرعاية لحقوق اللَّه .