ذهب جماعة إلى أنّ ذلك غير جائز لأنّه حرام ؟ . فنقول : نعم ذلك له وجه واحتمال ولكنّا اخترنا خلافه للخبر والأثر والقياس أمّا الخبر فأمر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله سلَّم بالتصدّق بالشاة المصلية الَّتي قدّمت إليه وكلَّمته بأنّه حرام إذ قال صلَّى اللَّه عليه وآله سلَّم : أطعموها الأسارى ( 1 ) وتصدّق بما خاطر به أبو بكر مع الكفّار قبل تحريم القمار ( 2 ) . وأما الأثر فما روي أنّ ابن مسعود اشترى جارية ولم يظفر بمالكها لينقد له الثمن بعد الطلب الكثير ، فلمّا لم يجده تصدّق بالثمن وقال : اللَّهمّ هذا عنه إن رضي وإلا فالأجر لي . وأما القياس فلأنّ هذا المال مردّد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى خير إذ وقع اليأس من مالكه ، وبالضرورة يعلم أنّ صرفه إلى خير أولى من إلقائه في البحر فإنّا إذا رميناه فيه فقد فوّتنا على أنفسنا وعلى المالك ولم يحصل منه فائدة وإذا رميناه في يد فقير يدعو لمالكه حصل لمالكه بركة دعائه وحصل للفقير سدّ حاجته وحصول الأجر للمالك بغير اختياره في التصدّق لا ينبغي أن ينكر ، فإنّ في الخبر الصحيح « أنّ للزارع والغارس أجرا لكلّ ما يصيبه الناس والطيور من ثماره » ( 3 ) وأمّا قول القائل : لا يتصدّق إلا بالطيّب ، فذاك إذا طلبنا الأجر لأنفسنا ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر وقد ردّدنا بين التضييع وبين التصدّق ، وقوله : لا نرضى لغيرنا ما لا نرضى لأنفسنا . فهو كذلك ولكنّه علينا حرام لاستغنائنا عنه وللفقير حلال إذ أحلَّه دليل الشرع ، وإذا اقتضت المصلحة التحليل وجب التحليل وإذا حلَّل فقد رضينا له الحلال ونقول : إنّ له أن يتصدّق على نفسه وعياله إذا كان فقيرا أمّا عياله وأهله فلا يخفى لأنّ الفقير لا ينتفي عنهم بكونهم من عياله وأهله بل هم أولى من يتصدّق عليهم ، وأمّا هو فله أن يأخذ منه قدر حاجته لأنّه فقير أيضا ولو
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 243
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٤٣
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود ج 2 ص 218 باب اجتناب الشبهات .
( 2 ) راجع تفسير الدر المنثور ج 5 ص 150 .
( 3 ) أخرجه البخاري ج 3 ص 128 من حديث أنس .