المؤكَّد وكذا المجتهد إذا تعارضت عنده الأدلَّة ورجّح جانب الحلّ بحدس وتخمين وظنّ فالورع [ له ] الاجتناب ولقد كان المفتون يفتون بحلّ أشياء لا يقدمون عليها قطَّ تورّعا عنها وحذرا من الشبهة فيها ، وهذا أيضا على مراتب فمنها ما يتأكَّد الاستحباب في الورع عنه وهو ما يقوى فيه دليل المخالف ويدقّ ترجيح وجه المذهب الآخر عليه ومنه ما يتاخم درجة الوسواس ومنه ما هو وسواس » . أقول : مثال الأوّل ما أربي فيه من المعدودات إذا ظنّ المجتهد عدم جريان الربا فيها والأجزاء الَّتي لم يعتقد تحريمها من الحيوان المحلَّل ممّا اختلف في تحريمه أو كراهته كالعلباء والغدد والخرزة الَّتي في الدّماغ ، ومثال الثاني الزبيب المطبوخ في الطعام خيفة أن يكون من العصير المحرّم ، ومثال الثالث الخلّ المخرج من الدّنّ إذا وصل إلى أعاليه الملطَّخ به حال كونه خمرا خيفة نجاسته فإنّ ذلك طاهر بلا خلاف والورع منه وسواس . [ قال : ] « القسم الثاني أن يتعارض العلامات الدّالَّة على الحلّ والحرمة فإنّه قد ينهب نوع من المتاع في وقت ويندر وقوع مثله من غير النهب ويرى مثلا في يد رجل من أهل الصلاح فيدلّ صلاحه على أنّه حلال ويدلّ نوع المتاع وندوره من غير المنهوب على أنّه حرام فيتعارض الأمر وكذلك يخبر عدل بأنّه حرام وآخر بأنّه حلال أو يتعارض شهادة فاسقين أو قول صبيّ وبالغ ، فإن ظهر ترجيح حكم به الورع الاجتناب وإن لم يظهر ترجيح وجب التوقّف وسيأتي تفصيله في باب التعرّف بالبحث والسؤال » . أقول : قد ورد عن أهل البيت عليه السّلام جواز لبس الجلود المشتراة من المخالفين المعتقدين لطهارة الميتة بالدّباغ في الصلاة من غير سؤال وهو نصّ على إطلاق الحلّ في هذا الباب ، ففي الصحيح عن الصادق عليه السّلام « أنّه سئل عن الخفاف الَّتي تباع في السوق ، فقال : اشتر وصلّ فيها حتّى تعلم أنّها ميتة » ( 1 ) . وفي الصحيح عن الكاظم عليه السّلام « أنّه سئل عن الرّجل يأتي السوق فيشتري جبّة فراء لا يدري أذكيّة هي أم غير ذكيّة أيصلَّي فيها ؟ قال : ليس عليكم المسألة ،
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 232
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٣٢
هامش
( 1 ) التهذيب ج 1 ص 202 ، والكافي ج 3 ص 403 .