متوسّطة بين الدّرجتين المتقابلتين لا يظهر له ميله إلى أحدهما ، وكذلك الصدقات المصروفة إلى المحتاجين فإنّ من لا شيء له معلوم أنّه محتاج ومن له مال كثير معلوم أنّه غنيّ ويتصدّى بينهما مسائل غامضة كمن له دار وأثاث وثياب وكتب فإنّ قدر الحاجة منه لا يمنع من الصرف إليه ، والفاضل يمنع والحاجة ليست محدودة ، وإنّما يدرك بالتقريب ويتعدّى [ 1 ] منه النظر في مقدار سعة الدّار وأبنيتها ومقدار قيمتها لكونها في وسط البلد ووقوع الاكتفاء بدار دونها وكذلك في نوع أثاث البيت إذا كان من الصفر لا من الخزف وكذلك في عددها وقيمتها وكذلك فيما يحتاج إليه كلّ يوم وما يحتاج إليه كلّ سنة كآلات الشتاء وما لا يحتاج إليه إلا في سنين ، وشئ من ذلك لا حدّ له والوجه في مثل هذا ما قاله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إذ قال : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » ( 1 ) وكلّ ذلك في محلّ الرّيب ، فإن توقّف المفتي فلا وجه له إلا التوقّف وإن أفتى بظنّ وتخمين فالورع التوقّف وهو أهمّ مواقع الورع ، وكذلك ما يجب بقدر الكفاية من نفقة الأقارب وكسوة الزّوجات وكفاية الفقهاء والعلماء على بيت المال إذ فيه طرفان يعلم أنّ أحدهما قاصر وأنّ الآخر زائد وبينهما أمور متشابهة تختلف باختلاف الشخص والحال والمطَّلع على الحاجات هو اللَّه تعالى ، وليس للبشر وقوف على حدودها فما دون الرطل المكَّي في اليوم قاصر عن الكفاية للرجل الضخم وما فوق ثلاثة أرطال زائد على الكفاية وما بينهما لا يتحقّق له حدّ ، فليدع الورع ما يريبه إلى ما لا يريبه وهذا جار في كلّ حكم نيط بسبب يعرف ذلك السبب بلفظ إذ العرب وسائر أهل اللَّغات لم يقدّروا متضمّنات اللَّغات بحدود محدودة ينقطع أطرافها عن مقابلاتها كلفظ الستّة فإنّه لا يحتمل ما دونها وما فوقها من الأعداد وسائر ألفاظ الحساب والتقديرات ، فليست الألفاظ اللَّغويّة كذلك فلا لفظ في كتاب اللَّه وسنّة رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إلا ويتطرّق الشكّ إلى أوساط في مقتضياتها تدور بين أطراف متقابلة فتعظم الحاجة إلى هذا الفنّ في الوصايا والأوقاف ، فهذه اشتباهات تثور من علامات متعارضة تجذب إلى طرفين متقابلين ، وكلّ ذلك من الشبهات يجب اجتنابها إذا لم يترجّح جانب
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 234
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٣٤
هامش
( 1 ) تقدم غير مرة سابقا .
[ 1 ] في بعض النسخ [ ويتصدى ] .