الحلّ بدلالة تغلب على الظنّ أو باستصحاب بموجب قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » وبموجب سائر الأدلَّة الَّتي سبق ذكرها ، فهذه مثارات الشبهات وبعضها أشدّ من بعض ولو تظاهرت شبهات شتّى على شيء واحد كان الأمر أغلظ . وهذه مراتب عرفنا طريق الوقوف عليها وليس في قوّة البشر حصرها ، فما اتّضح من هذا الشرح أخذ به وما التبس فليجتنب فإنّ الإثم حوازّ القلوب [ 1 ] ، وحيث قضينا باستفتاء القلب أردنا به حيث أباح المفتي أمّا حيث حرّمه فيجب الامتناع ثمّ لا يعوّل على كلّ قلب ، فربّ موسوس ينفر عن كلّ شيء وربّ شره متساهل يطمئنّ إلى كلّ شيء ولا اعتبار بهذين القلبين ، وإنّما الاعتبار بقلب العالم المؤمن المراقب لدقائق الأحوال فهو المحك الَّذي يمتحن به خفايا الأمور ، وما أعزّ هذا القلب في القلوب فمن لم يثق بقلب نفسه فليلتمس النور من قلب بهذه الصّفة وليعرض عليه واقعته ، وجاء في الزبور « أنّ اللَّه تعالى أوحى إلى داود عليه السّلام قل لبني إسرائيل إنّي لا أنظر إلى صلاتكم ولا إلى صيامكم ولكن أنظر إلى من شكّ في شيء فتركه لأجلي فذاك الَّذي أؤيّده بنصري وأباهي به ملائكتي » . أقول : ومن طريق الخاصّة ما رواه في الكافي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال : « إنّما الأمور ثلاثة أمر بيّن رشده فيتّبع ، وأمر بيّن غيّه فيجتنب وأمر مشكل يردّ علمه إلى اللَّه ورسوله ، قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك ، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم » ( 1 ) .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 235
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٣٥
هامش
( 1 ) المصدر ج 1 ص 67 في حديث طويل .
[ 1 ] قال الجزري في مادة « حوز » : في حديث ابن مسعود : الإثم حواز القلوب هكذا رواه شمر - بتشديد الواو - من حاز يحوز أي يجمع القلوب ويغلب عليها . والمشهور بتشديد الزاي . وقال في مادة « حزر » ومنه حديث ابن مسعود « الإثم حواز القلوب » بتشديد الزاي - هي الأمور التي تحز فيها أي تؤثر كما يؤثر الحز في الشيء وهو ما يخطر فيها من أن تكون معاصي لفقد الطمأنينة إليها وهو جمع حاز انتهى ، وقد تقدم في المجلد الأول ص 57 .