قال أبو حامد : « فهذا مقتضى الفقه وبيان الحكم في الدّرجة الأولى من الحلّ والحرمة فأمّا الامتناع عنه فمن الورع المهمّ لأنّ المعصية إذا تمكَّنت من السبب الموصل إلى الشيء يشتدّ الكراهة فيه كما سبق وأقوى الأسباب الموصلة :
الثمن ولولا الثمن الحرام لما رضي البايع بتسليمه إليه فرضاه به لا يخرجه عن كونه مكروها كراهية شديدة ولكنّ العدالة لا تنخرم به وتزول به درجة التقوى والورع ولو اشترى سلطان مثلا ثوبا أو أرضا في الذّمّة وقبضه برضا البايع قبل توفية الثمن وسلَّمه إلى فقيه أو غيره صلة أو خلعة وهو شاكّ في أنّه سيقضي ثمنه من الحلال أو الحرام فهذا أخفّ إذ وقع الشكّ في تطرّق المعصية إلى الثمن وتفاوت خفّته بتفاوت كثرة الحرام وقلَّته في مال ذلك السلطان وما يغلب على الظنّ فيه وبعضه أشدّ من بعض والرجوع فيه إلى ما ينقدح في القلب .
المثار الرابع الاختلاف في الأدلَّة فإنّ ذلك كالاختلاف في السبب لأنّ السبب سبب لحكم الحلّ والحرمة والدّليل سبب لمعرفة الحلّ والحرمة فهو سبب في حقّ المعرفة وما لم يثبت في معرفة العبد فلا فائدة في ثبوته في نفسه وإن جرى سببه في علم اللَّه تعالى وهي إمّا أن يكون لتعارض أدلَّة الشرع أو لتعارض العلامات الدالَّة أو لتعارض المشابه .
القسم الأوّل أن يتعارض أدلَّة الشرع ، مثل تعارض عمومين من القرآن أو السنّة فإنّ ذلك يورث الشكّ ويرجع فيه إلى الاستصحاب أو الأصل المعلوم قبله إن لم يكن ترجيح وإن ظهر ترجيح في جانب الحظر وجب الأخذ به وإن ظهر ترجيح في جانب الحلّ جاز الأخذ به ولكنّ الورع تركه ، واتّقاء مواضع الخلاف مهمّ في الورع في حقّ المفتي والمقلَّد ، وإن كان المقلَّد يجوز له أن يأخذ بما أفتاه مقلَّده الَّذي يظنّ أنّه أفضل علماء بلده ويعرف ذلك بالتسامع كما يعرف أفضل أطبّاء البلد بالتسامع والقرائن وإن كان لا يحسن الطبّ وليس للمستفتي أن ينتقد من المذاهب أوسعها عليه بل عليه أن يبحث حتّى يغلب على ظنّه الأفضل ثمّ يتّبعه ولا يخالفه أصلا ، نعم إن أفتى له إمامه بشيء ولإمامه فيه مخالف فالفرار من الخلاف إلى الإجماع من الورع
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 231
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٣١