هذا ننزّل قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لعديّ بن حاتم : « لا تأكله فلعلَّه قتله غير كلبك » ( 1 ) وكذلك كان صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « إذا أتي بشيء اشتبه عليه أنّه صدقة أو هبة سأل عنه حتّى يعلم أيّهما هو » ( 2 ) . القسم الثاني أن يعرف الحلّ ويشكّ في المحرّم فالأصل الحلّ وله الحكم إذ ثبت في المياه والنجاسات والأحداث والصلوات أنّ اليقين لا يجب تركه بالشكّ وهذا في معناه فإنّه مهما تيقّن الطهارة في الماء ثمّ شكّ في نجاسته جاز له أن يتوضّأ به فكيف لا يجوز أن يشربه وإذا جوّز الشرب فقد سلَّم أنّ اليقين لا يترك بالشكّ . القسم الثالث أن يكون الأصل التحريم ولكن طرأ ما يوجب تحليله بظنّ غالب فهو مشكوك فيه والغالب حلَّه فهذا ينظر فيه فإن استند عليه الظنّ إلى سبب معتبر شرعا فالَّذي يختار فيه أن يحلّ وإنّ اجتنابه من الورع مثاله أن يرمي إلى صيد فيغيب ثمّ يدركه ميتا وليس عليه أثر سوى سهمه ولكن يحتمل أنّه مات بسقطة أو بسبب آخر فإن ظهر عليه أثر صدمة أو جراحة أخرى التحق بالقسم الأوّل وأمّا قول القائل : إنّه لم يتحقّق موته على الحلّ في ساعة فيكون شكَّا في السبب فليس كذلك بل السبب قد تحقّق إذ الجرح سبب الموت وطريان الغير شكّ فيه ، ويدلّ على صحّة هذا الإجماع على أنّ من جرح فغاب فوجد ميتا فيجب القصاص على جارحه بل إن لم يغب يحتمل أن يكون موته بهيجان خلط في باطنه ، كما يموت الإنسان فجأة فينبغي أن لا يجب القصاص إلا بحزّ الرقبة والجرح المذفف [ 1 ] لأنّ العلل القاتلة في الباطن لا تؤمن ولأجلها يموت الصحيح فجأة ولا قائل بذلك مع أنّ القصاص مبناه على الشبهة وكذلك جنين المذكَّاة حلال ولعلَّه مات قبل ذبح الأصل لا بسبب ذبحه أو لم ينفخ فيه الروح وغرّة الجنين تجب ولعلّ الروح لم ينفخ فيه أو كان قد مات قبل الجناية بسبب آخر ولكن يبنى على الأسباب
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 221
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٢١
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ج 3 ص 67 في حديث .
( 2 ) أخرجه البخاري ورواه أحمد والطبراني كما في مجمع الزوائد ج 3 ص 89 .
[ 1 ] الحز : القطع ، وذف يذف ذفا وذففا وذفافا على الجريح : أجهز عليه .