الصادق عليه السّلام أنّه قال : التقوى على ثلاثة أوجه تقوى باللَّه في اللَّه وهو ترك الحلال فضلا عن الشبهة وهو تقوى خاصّ الخاصّ ، وتقوى من اللَّه وهو ترك الشبهات فضلا عن الحرام وهو تقوى الخاصّ وتقوى من خوف النّار والعقاب وهو ترك الحرام وهو تقوى العامّ ، ومثل التقوى كماء يجري في نهر ومثل هذه الطبقات الثلاث في معنى التقوى كأشجار مغروسة على حافّة ذلك النهر على قدر جوهره وطعمه ولطافته وكثافته ، ثمّ منافع الخلق من ذلك الأشجار والثمار على قدرها وقيمتها قال اللَّه عزّ وجلّ : « صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضّل بعضها على بعض في الأكل - الآية - » ( 1 ) فالتقوى للطاعات كالماء للأشجار ومثل طبائع الأشجار والثمار في لونها وطعمها مثل مقادير الإيمان فمن كان أعلى درجة في الإيمان وأصفى جوهرا بالروح كان أتقى ومن كان أتقى كانت عبادته أخلص وأطهر ، ومن كان كذلك كان من اللَّه أقرب وكلّ عبادة مؤسّسة على غير التقوى فهي هباء منثور ، قال اللَّه عزّ وجلّ : « أفمن أسّس بنيانه على تقوى من اللَّه ورضوان خير أمّن أسّس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنّم - الآية - » ( 2 ) وتفسير التقوى ترك ما ليس بأخذه بأس حذرا ممّا به البأس وهو في الحقيقة طاعة وذكر بلا نسيان ، وعلم بلا جهل ، مقبول غير مردود » . قال أبو حامد : « فهذه دقائق الورع عند سالكي طريق الآخرة والتحقيق فيه أنّ الورع له أوّل وهو الامتناع ممّا حرّمه الفتوى وهو ورع العدول ، وله غاية وهو ورع الصدّيقين وذلك هو الامتناع من كلّ ما ليس للَّه ممّا أخذ بشهوة أو توصّل إليه بمكروه أو اتّصل بسببه مكروه وبينهما درجات في الاحتياط ، فكلَّما كان العبد أشدّ تشديدا على نفسه كان أخفّ ظهرا يوم القيامة وأسرع جوازا على ظهر الصراط وأبعد عن أن تترجّح كفّة سيّئاته على كفّة حسناته وتفاوت المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدّرجات في الورع كما تتفاوت دركات النّار في حقّ الظلمة بحسب تفاوت درجات الحرام في الخبث ، وإذا علمت حقيقة الأمر فإليك الخيرة فإن شئت فاستكثر من الاحتياط وإن شئت فرخّص ، فلنفسك تحتاط وعلى نفسك ترخّص .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 218
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢١٨
هامش
( 1 ) الرعد : 4 .
( 2 ) التوبة : 109 .