تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩

* ( الباب الثاني ) * في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها عن الحلال والحرام : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات واقع الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه » ( 1 ) فهذا الحديث نصّ في إثبات الأقسام الثلاثة والمشكل منها القسم المتوسّط الَّذي لا يعرفه كثير من الناس وهو الشبهة فلا بدّ من بيانها وكشف الغطاء عنها فإنّ ما لا يعرفه الكثير قد يعرفه القليل فنقول : الحلال المطلق هو الَّذي خلا عن ذاته الصفات الموجبة للتحريم في عينه وانحلّ عن أسبابه ما يتطرّق إليه تحريم أو كراهية ومثاله الماء الَّذي يأخذه الإنسان من المطر قبل أن يقع على ملك أحد ويكون هو واقفا عند أخذه وجمعه من الهواء في ملك نفسه أو في أرض مباحة . والحرام المحض ما فيه صفة محرّمة لا يشكّ فيها كالشدّة المطربة في الخمر والنجاسة في البول أو حصل بسبب منهيّ عنه قطعا كالمحصّل بالظلم والغصب والربا ونظائره فهذا طرفان ظاهر ان ويلتحق بالطرفين ما تحقّق أمره ولكن احتمل تغيّره ولم يكن لذلك الاحتمال سبب يدلّ عليه فإنّ صيد البرّ والبحر حلال من أخذ ظبية فيحتمل أن يكون قد ملكها صيّاد ثمّ أفلتت منه وكذلك السمكة يتصوّر أن يكون قد تزلَّق من الصياد بعد وقوعها في يده وشبكته فمثل هذا الاحتمال لا يتطرّق إلى ماء المطر المختطف من الهواء ولكنّه في معنى ماء المطر والاحتراز منه وسواس ، فلنسمّ هذا الفنّ ورع الموسوسين حتّى نلحق به أمثاله وذلك لأنّ هذا وهم مجرّد لا دلالة عليه نعم لو دلّ عليه دليل فإن كان قاطعا كما لو وجد حلقة في إذن السمكة أو كان محتملا كما لو وجد على الظبيّة جراحة يحتمل أن يكون كيّا لا يقدر عليه إلا بعد الضبط ويحتمل أن يكون جرحا فهذا موضع الورع وإذا انتفت الدّلالة من كلّ وجه فالاحتمال المعدوم دلالته كالاحتمال المعدوم في نفسه ، ومن هذا الجنس

هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ج 4 ص 50 ، والبيهقي في الكبرى ج 5 ص 264 .