أعني الدينار أمّا ما فيه نقرة فإن كان مخلوطا بالنحاس وهو نقد البلد فقد اختلف العلماء في المعاملة عليه وقد رأينا الرخصة فيه إذا كان ذلك نقد البلد سواء علم مقدار النقرة أو لم يعلم فإن لم يكن هو نقد البلد لم يجز إلا إذا علم قدر النقرة فإن كان في ماله قطعة نقرتها ناقصة عن نقد البلد فعليه أن يخبر به معامله وأن لا يعامل به إلا من لا يستحلّ الترويج في جملة النقد بطريق التلبيس ، وأمّا من يستحلّ ذلك فتسليمه إليه تسليط له على الفساد وإعانة على الشرّ ومشاركة فيه ، وسلوك طريق الحقّ في هذا وأمثاله في التجارة أشدّ من المواظبة على نوافل العبادات والتخلَّي لها .
ولذلك قال بعضهم : التاجر الصدوق أفضل من المتعبّد ، وقد كان السلف يحتاطون في مثل ذلك حتّى روي عن بعض الغزاة في سبيل اللَّه أنّه قال : حملت على فرسي لأقتل علجا فقصّر فرسي فرجعت ثمّ دنا منّي العلج فحملت ثانية فقصّر فرسي ثمّ حملت الثالثة فنفر منّي فرسي وكنت لا أعتاد ذلك منه فرجعت حزينا وجلست منكَّس الرأس منكسر القلب لما فاتني من العلج ولما ظهر لي من خلق الفرس فوضعت رأسي على عمود الفسطاط وفرسي قائم فرأيت في النوم كأنّ الفرس يخاطبني ويقول لي : باللَّه أردت أن تأخذ على العلج ثلاث مرّات وأنت بالأمس اشتريت لي علفا ودفعت في ثمنه درهما زايفا لا يكون هذا أبدا ، قال : فانتبهت فزعا فذهبت إلى العلاف وأبدلت ذلك الدّرهم . فهذا مثال ما يعمّ ضرره وليقس عليه أمثاله .
القسم الثاني ما يخصّ ضرره المعامل فكلّ ما يستضرّ به المعامل فهو ظلم وإنّما العدل أن لا يضرّ بأخيه المسلم والضابط الكلَّي فيه أن لا يحبّ له إلا ما يحبّ لنفسه فكلّ ما لو عومل به لشقّ عليه وثقل على قلبه فينبغي أن لا يعامل غيره به بل ينبغي أن يستوي عنده درهمه ودرهم غيره ، قال بعضهم : من باع أخاه شيئا بدرهم وليس يصلح له لو اشتراه لنفسه إلا بخمسة دوانيق فإنّه ترك النصح المأمور به في المعاملة ولم يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ، هذه جملته .
فأمّا تفصيله فهي أربعة أمور أن لا يثني على السلعة بما ليس فيها ، وأن لا يكتم من عيوبها وخفايا صفاتها شيئا ، وأن لا يكتم في وزنها ومقدارها شيئا وأن لا يكتم
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 172
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٢