وإنّما قلنا مبدأ سبب الوجود من حيث الوقوع في الرحم لا من حيث الخروج من الإحليل لأنّ الولد لا يخلق من الرّجل وحده بل من الزوجين جميعا إمّا من مائه ومائها أو من مائه ودم الحيض . قال بعض أهل التشريح : إنّ المضغة تخلق بتقدير اللَّه من دم الحيض وإنّ الدّم منها كاللَّبن من الرائب ، والنطفة من الرجل شرط في خثور دم الحيض [ 1 ] وانعقاده كالأنفحة للَّبن إذ بها ينعقد وكيف ما كان فماء المرأة ركن في الانعقاد فيجري الماء ان مجرى الإيجاب والقبول في الوجود الحكميّ في العقود فمن أوجب ثمّ رجع قبل القبول لا يكون جانيا على العقد بالنقض والفسخ ، ومهما اجتمع الإيجاب والقبول كان الرجوع بعده رفعا وفسخا وقطعا وكما أنّ النطفة في الفقار لا يتخلَّق منها الولد فكذا بعد الخروج من الإحليل ما لم يمتزج بماء المرأة - وهو الصحيح أو بدمها على قولهم وفيه نظر - فهذا هو القياس الجليّ . فإن قلت : فإن لم يكن العزل مكروها من حيث إنّه دفع لوجود الولد فلا يبعد أن يكره لأجل النيّة الباعثة عليه إذ لا يبعث عليه إلا نيّة فاسدة فيها شيء من شوائب الشرك الخفيّ . فنقول : النيّات الباعثة على العزل خمس : الأولى في السراري وهو حفظ الملك عن الهلاك باستحقاق العتق ، وقصد استبقاء الملك بترك الإعتاق ودفع أسبابه ليس بمنهيّ عنه . الثانية استبقاء جمال المرأة وسمنها لدوام التمتّع بها واستبقاء حياتها خوفا من خطر الطلق ، وهذا أيضا ليس منهيّا عنه . الثالثة الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب ودخول مداخل السوء ، وهذا أيضا غير منهيّ عنه فإنّ قلَّة الحرج معين على الدّين ، نعم الكمال والفضل في التوكَّل والثقة بضمان اللَّه تعالى حيث قال : « ومن يتّق اللَّه يجعل له مخرجا . ويرزقه من حيث لا يحتسب ( 1 ) » وقوله
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 116
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١١٦
هامش
( 1 ) الطلاق : 2 و 3 .
[ 1 ] خثر اللبن خثرا وخثورا : ثخن واشتد فهو خاثر .