شرح
وثانيا : انّ الحكم إذا كان معلَّلا فالمعيار في إطلاقه وتقييده هو المعلَّل الصادر أوّلا لا العلَّة خصوصا في أمثال المقام ممّا لم يذكره الحاكم أوّلا بلا فصل ، بل وقع جوابا عن سؤال لو لم يسأله لكان قد اكتفى الحاكم بالجواب الأوّل .
وثالثا : جعل مناط الحكم هو العلَّة انّما يصحّ إذا كان ما هو الموضوع للقصر هو عنوان شغل اليوم ويكون ما هو الموضوع حقيقة الاشتغال بالسير يوما .
وبعبارة أخرى : كون الموضوع المسافة المقدّرة بالزمان ويكون ذكر البريد ، والبريدين ، وأربعة فراسخ ، وثمانية فراسخ ، وأربعة وعشرين ميلا ، كلَّها بمنزلة ذكر الطريق الكاشف عنه ، فيترتّب عليه حينئذ ما لا يلتزمه القائل وهو لزوم القصر في شغل اليوم ولو لم يسر بمقدار البريدين ، مع انّه مردود بالنصّ والإجماع من جعل الموضوع أحد المذكورات ، فيكون ذكر الزمان بمنزلة ذكر حكمة التشريع بهذا المقدار ، وهي انّ حكمة الجعل التسهيل على المكلَّفين وهذا التسهيل روعي فيما إذا كان مشقّة السفر بمقدار يوم واحد في زمان صدور الحكم إذا كان السير على النحو المتعارف في ذلك الزمان فما كان مقدار زمان مشقّته أقلّ من ذلك فلا قصر .
ودعوى عدم الفرق في نظر العرف في حصول هذه المشقّة بين مقدار تمام اليوم وبين ما إذا كان أقلّ بمقدار نصف ساعة مثلا ، مدفوعة :
أوّلا - بالنقض ، فانّ التحديدات الشرعيّة كلَّها كذلك ، كمقدار الكر ، وحدّ النصاب في الزكاة ، ونيّة إقامة عشرة أيام ، وأقل الحيض والنفاس ، وأكثرهما ، وحدّ البلوغ بحسب السنّ في الذكور والإناث ، وحدّ اليأس في الناس ، ومقدّرات الديات في الجنايات المقدّرة ، بل التحديد في أوقات الصلوات والإفطار والصوم ، وأمثالها ممّا يجده المتتبّع ، فالدعوى المذكورة لو صحّت واردة على الكلّ .