شرح
تحويل القبلة كان بالمدينة وهناك كان تكليف المسلمين التوجّه إلى شطر المسجد ، بناء على إرادة النحو أو الجانب أو الجهة من الشطر ، وإلَّا فلو أريد من الشطر الجزء كما لا يبعد ذلك يكون المعنى إيجاب التوجّه إلى جزء من أجزاء المسجد الحرام - أعني الكعبة - حيث أنّه جزء المسجد ، فكأنّه تعالى قال : « فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ » إِلى جزء من المسجد لا إلى جميعه ، ومن المعلوم إنّ المراد من هذا الجزء هو الكعبة لا غير ، فلا يكون ظاهر الآية مخالفا لما استظهرناه من الأدلة من أنّ القبلة هي الكعبة مطلقا لا غير .
فما ذكره في التّهذيب بعد ذكر هذه الآيات ، بقول ( ره ) : فأوجب الله تعالى بظاهر اللفظ التوجه نحو المسجد الحرام لمن نأى عن المسجد لأنّ المراد بالشطر هيهنا النحو ثمّ استشهد بقول هذيل الشاعر :
أقول لامّ زيناع أقرّئ * صدور العين شطر بني تميم
وقال لقيظ الأيادي :
فقد ظلَّكم من شطر ثغركم * هول له ظلم تغشاكم قطعا
لا يخلو عن إشكال إذ ليس هنا ظهور في إرادة النحو ، بل استعمال الشطر في الجزء أكثر من استعماله في النحو .
ولا يبعد أن يكون السّر في هذا التعبير ، والله العالم ، الإيماء إلى علَّة التحويل وبيان شرافة الكعبة وبيان أنّ العلَّة في جعلها قبلة كونها جزء من المسجد الحرام ، ولذا قال تعالى : « فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها » ، حيث أنّ رضائه صلَّى الله عليه وآله لا لأجل نفس التحويل عن قبلة أهل الكتاب بل باعتبار الشرافة الذاتيّة للمسجد حيث أنّ الكعبة الواقعة فيها هو أوّل بيت وضع في الأرض كما قال تعالى : « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ