ففي جواز المقاصّة إشكال ( 19 ) . هذا إذا جاز ارتكاب المحذور وأخذ ماله ولو أضرّ ذلك بالغاصب ، وأمّا مع عدم جوازه كما لو كان المطلوب منه غير غاصب ، وأنكر المال بعذر فالظاهر جواز التقاصّ من ماله إن قلنا بجواز المقاصّة في صورة الإنكار لعذر .
شرح
( 19 ) قد يوجّه الإشكال بأنّ حقيقة المقاصّة : أنّه مع أنّ التصرّف في مال الغير ممنوع شرعاً ، فمع ذلك فقد جوّز الشارع تملَّك مال الغير بغير إذنه بعنوان المقابلة بالمثل وعوضاً عمّا أخذه من ماله ، فالمقاصّة تصرّف في مال الغير بتملَّكه من غير إذن منه ، فإذا توقّف الوصول إلى عين ماله وأخذ عين ماله الذي ينتفي معه التصرّف بالمقاصّة على التصرّف في داره أو كسر قفله ونحو ذلك ممّا هو أيضاً تصرّف آخر في مال الغير من دون إذن منه ، وكان هذا التصرّف أهون من التصرّف بالتملَّك ، كان الأنسب عدم جواز التقاصّ .
وبعبارة أخرى : التقاصّ تصرّف في سلطنة الغير وهدم لها ، يجوّزه الشارع تلافياً وتداركاً لما فات من سلطنته ، وإلَّا فهو بنفسه غير جائز . فامتناع من عليه أو عنده الحقّ ضرورة مجوّزة للتقاصّ ، فكيف لا يجوّز التصرّفات الضعيفة الأُخر التي ينتفي بها ذلك التصرّف الأقوى ؟ ! والضرورات إنّما تبيح المحظورات بمقدار الضرورة إليها فلا محالة يجب تجويز تلك التصرّفات الأضعف ، ولا يجوز التصرّف الأقوى بالمقاصّة .
ووجه جواز التقاصّ حينئذٍ ما عرفت من أنّ موضوعه امتناع من عليه المال عن أدائه ، والمسلَّم انصرافه عمّا يتمكَّن من أخذ ماله بلا مشقّة