الفساد عذابا شديدا متتابعا متواليا لا يوصف .
قوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
المرصاد المكان الذي يرصد منه ويرقب وكونه تعالى على المرصاد استعارة تمثيلية شبه فيها حفظه تعالى لأعمال عباده بمن يقعد على المرصاد يرقب من يراد رقوبه فيأخذه حين يمر به وهو لا يشعر فاللّه سبحانه رقيب يرقب أعمال عباده حتى إذا طغوا وأكثروا الفساد أخذهم بأشد العذاب .
وفي الآية تعليل ما تقدم من حديث تعذيب الطغاة المكثرين للفساد من الماضين وفي وقوله :
« رَبَّكَ »
بإضافة الرب إلى ضمير الخطاب تلويح إلى أن سنة العذاب جارية في أمته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على ما جرت عليه في الأمم الماضين .
قوله تعالى :
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ
متفرع على ما قبله ، فيه تفصيل حال الإنسان إذا أوتي من نعم الدنيا أو حرم كأنه قيل : إن الإنسان تحت رقوب إلهي يرصده ربه هل يصلح أو يفسد ؟ ويبتليه ويمتحنه فيما آتاه من نعمه أو حرمه هذا هو الأمر في نفسه وأما الإنسان فإنه إذا أنعم اللّه عليه بنعمه حسب أن ذلك اكرام الهي له أن يفعل بها ما يشاء فيطغى ويكثر الفساد ، وإذا أمسك وقدر عليه رزقه حسب أنه إهانة الهية فيكفر ويجزع .
فقوله :
« فَأَمَّا الْإِنْسانُ »
المراد به النوع بحسب الطبع الأولي فاللام للجنس دون الاستغراق .
وقوله :
إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ
أي امتحنه واختبره ، والعامل في الظرف محذوف تقديره كائنا إذا ، الخ ؛ وقيل : العامل فيه
« فَيَقُولُ »
.
وقوله :
فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ
تفسير للابتلاء ، والمراد بالإكرام والتنعيم الصوريان وان شئت فقل : الإكرام والتنعيم حدوثا لإبقاء أي أنه تعالى أكرمه وآتاه النعمة ليشكره ويعبده لكنه جعلها نقمة على نفسه تستتبع العذاب .