الطاغين اليه تعالى تنزها منه تعالى فليس يغشاهم شرّ إلا من عند أنفسهم قال تعالى :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
( الأنفال / 51 ) .
ووقوع لفظ الحساب في ذيل جزاء الطاغين والمتقين معا لتتبين ما يلوّح اليه يوم الفصل الواقع في أول الكلام .
قوله تعالى :
رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ
بيان لقوله :
« رَبِّكَ »
أريد به أن ربوبيته تعالى عامة لكل شيء وأن الرب الذي يتخذه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ربا ويدعو اليه رب كل شيء لا كما كان يقول المشركون : إن لكل طائفة من الموجودات ربا واللّه سبحانه رب الأرباب أو كما كان يقول بعضهم : إنه رب السماء .
وفي توصيف الرب بالرحمن - صيغة مبالغة من الرحمة - إشارة إلى سعة رحمته وأنها سمة ربوبية لا يحرم منها شيء إلا أن يمتنع منها شيء بنفسه لقصوره وسوء اختياره فمن شقوة هؤلاء الطاغين أنهم حرّموها على أنفسهم بالخروج عن طور العبودية .
قوله تعالى :
لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً
وقوع صدر الآية في سياق قوله :
« رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ »
- وشأن الربوبية هو التدبير وشأن الرحمانية بسط الرحمة - دليل على أن المراد بخطابه تعالى تكليمه في بعض ما فعل من الفعل بنحو السؤال عن السبب الداعي إلى الفعل كأن يقال : لم فعلت هذا ؟ ولم لم تفعل كذا ؟ كما يسأل الفاعل منا عن فعله فتكون الجملة
« لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً »
في معنى قوله تعالى :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
( الأنبياء / 23 ) وقد تقدم الكلام في معنى الآية .
لكن وقوع قوله :
« يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا »
بعد قوله :
« لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً »
الظاهر في اختصاص عدم الملك بيوم الفصل مضافا إلى وقوعه في سياق تفصيل جزاء الطاغين والمتقين منه تعالى يوم الفصل يعطي أن يكون المراد به أنهم لا يملكون أن يخاطبوه فيما يقضي