التعارض
شرح
المصنف ( قده ) صورا ثلاثا :
الأولى : أن يكون مدلولا الامارتين متضادين ، كما إذا قامت إحداهما
على وجوب الإزالة عن المسجد والأخرى على وجوب الصلاة مثلا .
وحكم هذه الصورة حكم باب التزاحم من التخيير إن لم يكن أحدهما
أهم ولو احتمالا . والوجه في إجراء حكم التزاحم هنا هو : أن المقتضي
للوجوب في كل واحد منهما - وهو قيام الامارة على طبقة - موجود ،
والمانع مفقود ، إذ المانع هو عجز المكلف عن امتثال كلا
الخطابين ، وهو نظير وجوب إنقاذ الغريقين المؤمنين ، فإن العجز عن
إنقاذهما معا لا يوجب سقوط أصل الخطاب ، بل تقيد وجوب إنقاذ
كل منهما بترك الاخر ، ونتيجته التخيير . [ 1 ]
الثانية : أن تكون الامارتان في موضوع واحد ، وكان مؤداهما حكمين
إلزاميين ، كدلالة إحداهما على وجوب البقاء على تقليد الميت
والأخرى على حرمته ، أو دلالة إحداهما على وجوب التسبيحات
الأربع والأخرى على وجوب واحدة منها ، فإن جعل الضدين في
موضوع
واحد يؤول إلى جعل المتناقضين باعتبار الدلالة الالتزامية . والحكم
في هذه الصورة كسابقتها هو التخيير إن لم يكن أحدهما أهم من
الاخر ولو احتمالا ، فإنه يقدم على ما ليس فيه هذا الاحتمال كما هو
حكم المتزاحمين في جميع الموارد .
هامش
[ 1 ] اعترض السيد الفقيه صاحب الوسيلة على حكم المصنف
( قدهما ) بالتخيير في هذه الصورة بأجنبية المقام عن التخيير في
المتزاحمين ،
فإن حكومة العقل بالتخيير بينهما إنما هي من جهة العجز عن امتثالهما
بعد تمامية الملاك في كليهما ، وهذا بخلاف المقام ، فإن التخيير
بينهما يكون شرعيا ، لحجية الامارة شرعا على السببية المقتضية
لحدوث مصلحة ملزمة في المؤدى ، وصيرورة كل منهما أحد فردي
الواجب التخييري ، فيتخير في العمل به شرعا لا عقلا .
أقول : لم يظهر مرامه رفع مقامه ، فإن الصلاة والإزالة من أوضح
صغريات باب التزاحم ، والتخيير بينهما على فرض تساويهما ملاكا
عقلي لا شرعي ، لكون المجعول نفس المؤدى وهو وجوب الإزالة
والصلاة تعيينا ، إذ مقتضى سببية كل أمارة لحدوث مصلحة في مؤداها
هو جعل حكم تعييني لمؤداها ، ولم يظهر منشأ لجعل حكم تخييري
بين الامارتين ، وإنما التخيير نشأ من حكم العقل به ، لعجز المكلف عن
موافقة كلتا الامارتين ، فالتخيير هنا هو التخيير العقلي الثابت في سائر
موارد التزاحم .