شرح
وهذا المعنى يستفاد من الأدلة الأولية على حجية خبر الواحد ومن
الأدلة الثانوية أعني أخبار العلاج من حيث الترجيح بالصفات وبعض
التعليلات الواردة فيها ، فمن الأدلة الأولية جوابه عليه السلام ( نعم )
لعبد العزيز بن المهتدي السائل عن وثاقة يونس بن عبد الرحمن
وأهليته لان يأخذ منه معالم الدين ، لظهوره - بل صراحته - في أن
حجية خبر الثقة تكون من جهة كشفه عن الواقع ، إذ لا يراد بمعالم
الدين
ومعارفه سوى الأحكام الواقعية .
ومن الأدلة الثانوية ترجيح أحد الخبرين المتعارضين بصفات الراوي
كالأعدلية والأفقهية والأصدقية ، وبالشهرة معللا ب ( أن المجمع
عليه لا ريب فيه ) ونحو ذلك مما يدل على أن الغرض من العمل بخبر
الثقة هو تحصيل المطلوب الأقصى أعني الوصول إلى الأحكام الواقعية
المنجزة على المكلفين بالعلم الاجمالي أو الاحتمال .
وعليه فالبحث عن حكم المتعارضين على السببية إنما هو لاستيفاء
جهات البحث ، لا للمصير إليها .
الثاني : أن الملاك في حجية الامارة على الطريقية هو غلبة الايصال
نوعا واحتمال الإصابة شخصا ، ولا تدور الحجية مدار مطابقة كل
واحد من المصاديق للواقع ، كما لا يناط عدم الحجية بعدم المطابقة ،
فالايصال إلى الواقع ليس علة لحجية الامارة بل هو حكمة لها . فإذا
اعتبر الشارع خبر العدل أو الثقة حجة على الطريقية فمعناه كشف
خبره عن الواقع غالبا ، ولا يعتبر إصابة كل واحد من أفراد طبيعي
خبر العدل بالواقع ، إذ لا معنى لدوران الحجية مدار صدق كل خبر
عدل أو ثقة ، فإنه لو أحرز صدقه ومطابقته للواقع كان جعل الحجية له
لغوا ، لأنه من إحراز ما هو محرز بالوجدان بالتعبد . ولو لم يحرز صدقه
كان الخبر المشكوك الصدق شبهة موضوعية لعموم دليل
الاعتبار ، وقد تقرر عدم حجية الدليل في الشبهة المصداقية .
وعليه يكون تمام الموضوع لدليل الاعتبار هو خبر العدل أو الثقة ، فإن
كان مصيبا فقد تنجز الواقع به ، وإن كان مخطئا فقد أعذر
المكلف في مخالفة الواقع . ولما لم يكن للخبر الموصل علامة تميزه
عن غير الموصل أمر الشارع بمتابعة خبر العدل مطلقا حتى إذا
ترتب عليه فوت الواقع أحيانا .