كذلك حقيقة ، لبقاء موضوعه وهو النفس الناطقة ( 1 ) الباقية حال الموت ، لتجرده . وقد عرفت في باب الاستصحاب أن المدار في بقاء
الموضوع وعدمه هو العرف ، فلا يجدي ( 2 ) بقاء النفس عقلا في صحة الاستصحاب
شرح
وعلا : ( ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) . وعلى هذا فموضوع الرأي وهو النفس الناطقة باق ، ولا يرتفع بالموت ، ومقتضاه جواز
تقليد الميت .
إلا أن المرجع في تشخيص موضوع الاستصحاب هو العرف ، لا العقل . وقد عرفت أن موضوع الرأي عرفا هو الحياة ، فلا مجال
لاستصحاب جواز التقليد بعد الموت أصلا .
( 1 ) قال العلامة في تعريفها : ( فإن الجوهر إما أن يكون مفارقا في ذاته وفعله للمادة وهو المسمى بالعقل ، أو مفارقا في ذاته لا في فعله ،
وهو النفس الناطقة ، فإنها مفارقة للمادة في ذاتها وجوهرها دون فعلها ، لاحتياجها إلى الآلة في التأثير ) . فالنفس في أول حدوثها
بحدوث الجسم - بمقتضى كونها جسمانية الحدوث روحانية البقاء - إنسان طبيعي يحتاج إلى مادة جسمانية تدبرها ، فهي حينئذ عقل
هيولاني وبالقوة ، فإذا خرجت من القوة إلى الفعل وأدركت الكليات صارت عقلا بالفعل ، وهي في هذه المرحلة غير مرهونة بمادة ،
وتكون خارجة عن المواد ودار الفساد ، فلذا لا خراب لها بخراب البدن .
وعلى هذا فمدركات المجتهد وآراؤه إن كانت كلية فهي قائمة بالعاقلة المجردة عن المادة . وإن كانت جزئية أو كلية منبعثة عن
مدارك جزئية - من آية خاصة أو رواية مخصوصة - لا قيام لهما إلا بالخيال أو الوهم المدركين للصور الجزئية والمعاني الجزئية ،
فكذلك ، لاتحاد الملكات مع النفس ، لما تقرر في محله من أن قوى النفس الباطنية من شؤون النفس ومراتبها ، فإنها في بساطتها كل
القوى . هذا مجمل الكلام ، وان شئت التفصيل فراجع ما أفاده المحقق الأصفهاني ( قده ) في المقام مبنيا على كلام صدر المتألهين .
والمقصود من هذا الموجز إثبات بقاء آراء المجتهد بعد الموت لتجردها ، والمانع عن الاستصحاب إنما هو اعتبار النظر العرفي فيه لا
العقلي .
( 2 ) هذا متفرع على قوله : ( ان المدار في بقاء الموضوع وعدمه هو العرف ) .