شرح
في وجوب الاقتصار على تقليد الأعلم حرجا عظيما ، وهو منفي في الشريعة المقدسة .
ووجه العسر أمران :
أحدهما : أن جميع المكلفين ليسوا في بلد المجتهد الفاضل حتى يسهل لهم الرجوع إليه في كل مسألة ، فلا بد لهم من شد الرحال من البلاد
البعيدة للوصول إلى الأعلم والسؤال عنه ، ومن المعلوم أن هذا يوجب العسر الشديد على المقلدين ، بل على المجتهد نفسه أيضا ، لو لم
يكن متعذرا .
ثانيهما : أن وجوب تقليد الأعلم متوقف على تشخيصه من بين المجتهدين المنتشرين في البلاد ، ومن المعلوم أن تشخيص الأعلم مفهوما
ومصداقا من التكاليف العسرية ، خصوصا تمييز المصداق ، لتعارض البينات واختلاف أهل الخبرة مما يوجب تحير عوام المؤمنين في
تكليفهم .
وحيث كان منشأ هذا الحرج إلزام الشارع بالرجوع إلى خصوص الأعلم كان مقتضى حكومة قاعدة نفي العسر والحرج على الأدلة
الأولية عدم وجوبه ، فيثبت حينئذ جواز تقليد المفضول ، وهو المطلوب .
وليعلم أن الوجه المزبور - وهو التمسك بقاعدة نفي العسر - لما كان متضمنا لبيان العسر من جهتين أمكن جعله دليلين ، أحدهما :
العسر في أصل معرفة الأعلم من بين الفقهاء ، والثاني : تعسر الوصول إلى فتاواه على المؤمنين الذين ليسوا في بلده ، فضلا عن سكان
القرى والبوادي . ولكن لأجل كون الجامع بين هاتين الجهتين هو التمسك بالدليل الثانوي أعني قاعدة نفي العسر أدرجنا كلتا الجهتين
تحت عنوان واحد وهو لزوم العسر والحرج ، والامر سهل بعد وضوح المطلب .
وكيف كان فقد أجاب المصنف عن كلتا الجهتين ، أما عن تعسر الوصول إلى فتاوى الأعلم فبأنه لا عسر في تعلم فتاواه ، لسهولته بأخذ
رسالته ، أو السؤال عمن يحيط بفتاوى المجتهدين وينقلها للمقلدين ، وهذا في عصرنا الحاضر في غاية السهولة ، ولا حرج فيه أصلا ، بل
كان الامر كذلك في الاعصار السابقة أيضا التي لم تكن فيها وسائل الاعلام والمواصلات على ما هو عليه في عصرنا الحاضر .