هامش
أن قوله في مناقشة الاجماع على جواز التقليد بقوله : ( بأنه من الأمور الفطرية الارتكازية ) ربما يستفاد منه أن مقصوده من قوله : ( بديهيا
جبليا فطريا ) هو رسوخ مسألة جواز رجوع الجاهل إلى العالم في النفوس بحيث لا يحتاج إلى إمعان النظر وإقامة الدليل ، بل الالتفات
إلى تلك المقدمات البديهية الضرورية كاف في إذعان العقل بجواز التقليد ، ويكون ارتكاز كل واحد من العقلاء هو منشأ انعقاد سيرتهم
على قبول قول الفقيه تعبدا وبلا مطالبة حجة عليه .
ولعله لأجل هذا الحكم الفطري الارتكازي أهمل المصنف ( قده ) هنا الاستدلال ببناء العقلاء على جواز التقليد ، مع أنه جعله من أدلته في
تقليد المتجزي ، حيث قال : ( وعدم إحراز أن بناء العقلاء وسيرة المتشرعة على الرجوع إلى مثله ) ولا بد أن يكون قوله : ( من الأمور
الفطرية الارتكازية ) قرينة على مراده من البديهي الجبلي الفطري ، كما أنه إشارة إلى دلالة بناء العقلاء على رجوع العامي إلى المجتهد .
والحاصل : أن المستفاد من مجموع كلمات المصنف الإشارة إلى دليلين على جواز التقليد :
أحدهما : حكم العقل المستقل ، وهو الذي عبر عنه صاحب القوانين ببديهة العقل ، لكنه قال بذلك بتوسيط مقدمات الانسداد .
ثانيهما : بناء العقلاء ، إذ الرجوع إلى العارف والخبير من الارتكازيات المغروسة في نفوسهم .
ولو نوقش في الوجه الأول أمكن الاعتماد على السيرة العقلائية بضميمة تقرير الشارع لها ، فإنه بما هو عاقل بل رئيس العقلاء متحد
المسلك معهم في كيفية إيصال أحكامه إلى المكلفين ، وعدم إبداع طريقة أخرى لذلك . وسيأتي في الاستدلال بالاخبار ما يدل على
الامضاء . هذا لو قلنا بتوقف اعتبار هذه السيرة على الامضاء ، ولو قيل بعدم توقفه عليه ، لفرض رسوخها في النفوس وإنما يتوقف
الردع عنها على التصريح به ، فالامر أوضح كما لا يخفى .
ثم إن في عبارة المتن تأملا آخر ، وهو : أن ظاهر قوله : ( ان جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم في الجملة يكون بديهيا جبليا
وفطريا ) دعوى شهادة الفطرة بجواز التقليد في الأحكام الشرعية ، ويكون قوله : ( في الجملة ) إشارة إلى اجتماع الشرائط في المجتهد
كما ذكرناه في التوضيح تبعا لبعض أعاظم المحشين .
وهذا لا يخلو من شئ ، فإن ارتكاز العقلاء وفطرتهم ليس قبول قول الغير تعبدا أي فيما لم