تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى الدراية — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
هامش
لكن لو وصلت النوبة إلى هذه الضرورة جاز له التقليد من جهة كونه ضروريا في هذه الأزمنة ، فقاطبة الفقهاء - لا المتفقهين - يقولون بجواز عمل العامي بفتوى المجتهد . وحيث كان هذا الحكم ضروريا كان اعتماد العامي عليه في إقناع النفس بالتقليد وإلزامها به سليما عن شبهة الدور التي جعلها الماتن تاليا فاسدا للحكم ببداهة التقليد . هذا مضافا إلى : أن في التمسك بالانسداد إشكالا آخر نبه عليه بعض الأجلة وهو كونه أخص من المدعى ، إذ لو كان للعامي ظن بالحكم بخلاف فتوى المجتهد لم يقتض دليل الانسداد قبول رأي المجتهد تعبدا ، بل اللازم مراعاة مراتب الظن ، وعلى فرض التساقط فاللازم الاحتياط ، مع أن القائل بجواز التقليد - بمناط الانسداد - يقول به مطلقا . وعليه يكون نفس بناء العقلاء على الرجوع إلى فتوى المجتهد وعدم اعتنائهم بظنونهم الحاصلة لهم أحيانا على خلاف رأيه - من غير نكير من أحد - كاشفا عن أن الحامل لهم على التقليد هو الامر الجبلي الفطري السليم القاضي بلزوم رجوع الجاهل إلى العالم . وأما احتمال كون العمل بقول أهل الخبرة لأجل إلقاء احتمال الخلاف ، نظير ما نسب إلى شيخنا الأعظم في التعبد بالامارات ، ففيه : أنه فرض نادر ، ولا سبيل لحمل تقليد عامة المكلفين عليه ، فإن إلقاء احتمال الخلاف منوط بالغفلة عن كثرة الاختلاف الواقعة بين فتاوى الفقهاء ، إذ مع الالتفات إليها - ولو إجمالا - لا معنى لالقاء احتمال الخلاف فيها . هذا بعض الكلام في الأمر الأول ، والظاهر أن العامي الغافل عن كل شئ يرى في ارتكاز نفسه الرجوع إلى المجتهد بما أنه من أهل الخبرة بالأحكام الشرعية والوظائف العملية ، وكفى بهذا الارتكاز حاملا له على التقليد . وأما الأمر الثاني ، فنقول فيه : انه أورد المحقق الأصفهاني ( قده ) على المتن بعدم كون جواز التقليد فطريا بديهيا جبليا ، وذلك لوجهين : الأول : أن المقصود بالفطري إما أن يكون القضية الفطرية المعدودة في كتاب البرهان من القضايا الست البديهية ، وإما أن يكون الفطري بمعنى الجبلة والطبع كما يقال : الانسان مفطور على كذا أي مجبول عليه . وعلى كل من المعنيين لا يكون جواز التقليد فطريا .
منتهى الدراية — صفحة 502 | السيد محمد جعفر الجزائري المروج