هامش
أما على الأول فلان القضية الفطرية هي التي يكون قياسها معها كقولهم : ( الأربعة زوج ) فإنها قضية فطرية ، لاستغنائها - كسائر
البديهيات - عن الاستدلال ، بل العقل يذعن بزوجية الأربعة بمجرد التفاته إلى ( انقسامها بمتساويين ، وكل منقسم بمتساويين زوج )
ومن المعلوم أن الفطري بهذا المعنى هو كون العلم نورا وكمالا للعاقلة في قبال الجهل ، لا لزوم التقليد عند الشارع أو عند العقلاء ، ولا
نفس رفع الجهل بعلم العالم .
وأما على الثاني فلان الفطري الجبلي لكل إنسان هو شوق النفس إلى رفع نقص الجهل ، وكمال ذاتها أو كمال قواها ، لا لزوم التقليد
شرعا أو عند العقلاء . نعم ثبوت الشوق إلى رفع الجهل وجداني لا جبلي ولا فطري . وعليه فرفع الجهل بعلم العالم جبلي ، لكنه أجنبي عن
التقليد المبحوث عنه وهو أخذ قول الغير تعبدا . ومجرد دعوة الجبلة والطبع إلى رفع الجهل لا يجدي في جعل التقليد - بمعنى الانقياد
للعالم تعبدا - جبليا ولو لم يحصل العلم بالواقع .
وعليه فلا لزوم التقليد فطري بأحد المعنيين كما لا يكون جبليا ، ولا نفس التقليد فطري .
الثاني : أن الجمع بين البداهة والفطرة والجبلة لاثبات جواز التقليد لا يخلو من شئ ، فإن الفطري بالمعنى الأول وإن كان يناسب
البداهة ، لكون القضايا الفطرية من أقسام البديهيات ، لكنه لا يناسب الجبلي ، لمقابلة الفطري بالمعنى الأول مع الجبلي كما عرفت .
والفطري بالمعنى الثاني وإن كان مناسبا للجبلة ، لأنهما بمعنى واحد ، لكنه لا يناسب البداهة ، إذ ليست الجبليات من أقسام البديهيات
الست .
هذا ما أفاده المحقق الأصفهاني ( قدس سره ) بتوضيح منا ، وقال في آخر كلامه : ( ولقد خرجنا بذلك عن مرحلة الأدب ، والله تعالى مقيل
العثرات ) .
والظاهر ورود ما أفاده على المتن بناء على إرادة الفطري بأحد المعنيين المتقدمين .
لكن يمكن أن يكون مقصود المصنف من الفطرة والبداهة غير ما هو مصطلح أهل الميزان ، بل هو الحكم العقلي المستقل المغروس في
نفس كل عاقل وشاعر ، فالحكم الفطري حينئذ هو الحكم الارتكازي الراسخ في نفوس العقلاء ، كسائر أعمالهم المنبعثة عن
ارتكازياتهم كالعمل بخبر الثقة وظاهر الكلام ونحوهما من موارد السير العقلائية التي لا منشأ إلا الارتكاز .
وتعبير المصنف بالحكم الفطري والعقلي وإن تكرر منه هنا وفي مسألة تقليد الميت الآتية ، إلا