شرح
إذا عرفت هذا فنقول : إن البحث في مسألة جواز التقليد يكون في مقامين :
أحدهما : في الحجة التي يمكن للعامي - الذي لاحظ له من العلم - الاعتماد عليها .
وثانيهما : في الحجة التي يستدل بها المجتهد على أن العامي يجوز له التقليد ، ولا يتعين عليه الاجتهاد أو الاحتياط .
أما المقام الأول فقد أفاد المصنف فيه : إن جواز رجوع الجاهل إلى العالم أمر بديهي جبلي فطري ، ومن المعلوم أن حكم الفطرة كاف
لحمل العامي على العمل بفتوى المجتهد ومتابعته له . بل سيأتي تصريحه ( قده ) بأن هذا الوجه هو العمدة من الوجوه التي استدل بها
الأصحاب ( قدس سرهم ) على جواز عمل العامي بفتوى المجتهد ، في قبال من قال ببطلان التقليد ، وعدم جواز الاقتصار عليه في مقام
الامتثال كما سيأتي نقل بعض كلماتهم وتوضيح ما أفاده من أن العامي يقطع بجواز رجوعه إلى الفقيه هو : أن فطرة العامي تدرك جواز
متابعة المجتهد في الأحكام الشرعية ، إذ لو لم يستقل عقل كل عاقل به فإما أن يعتمد العامي في مسألة جواز التقليد على الأدلة الآتية التي
يستدل بها المجتهد على جوازه ، وإما أن يعتمد على فتوى الفقيه : ( بأن العامي يجوز له التقليد في عباداته ومعاملاته ) .
وكلاهما باطل . أما الأول فلمحذور الخلف ، وأما الثاني فللدور أو التسلسل . أما محذور الخلف ، فلان مفروض الكلام في هذه المسألة هو
مطلق الجاهل حتى الأمي الذي لاحظ له من العلم ، ومثله عاجز عن الاستدلال والنظر ، وعليه ففرض اقتدار العامي على إقامة الدليل
الشرعي على جواز التقليد يكون خلاف الفرض . نعم لا بأس به في بعض المقلدين القادر على إحراز حكم المسألة بالدليل الشرعي .
وأما محذور الدور أو التسلسل فلانحصار طريق العمل بجواز التقليد - للعامي العاجز عن الاستدلال عليه - في الرجوع إلى المجتهد ،
وهو ممنوع أيضا ، لان فتاوى المجتهد ما لم يحرز حجيتها - تكون مشكوكة الاعتبار ، ومن هذه الفتاوى المشكوكة فتواه ( بجواز تقليد
العامي من المجتهد ) وحينئذ فإن ثبت جواز الرجوع إلى الفقيه في جميع الأحكام بنفس فتواه ( بجواز رجوع الجاهل إلى الفقيه ) لزم
تقدم الشئ على نفسه ، فإن على