هامش
أما الأول وهو إنشاء أحكام بعدد آراء المجتهدين بعد أدائها وهو أحد
الوجهين بنظر المصنف في التصويب المعتزلي ، فيكفي في
بطلانه في نفسه مخالفته لمبناهم في التحسين والتقبيح العقليين ، إذ
مع الالتزام بكون الملاكات أمورا واقعية لا اعتبارية كيف يفرض
القائل بهذا التصويب جعل أحكام متضادة لفعل واحد لمجرد
اختلاف آراء المجتهدين ؟ والمفروض فعلية كل واحد منها لأداء رأي
المجتهد إليه ، فمثل شرب الخمر مما فيه المفسدة الملزمة المقتضية
لانشاء الحرمة كي ينزجر عنها المكلفون كيف ينشأ له الأحكام الخمسة
؟ وهل تتمشى الإرادة والكراهة الجديتان في المبادي
العالية ؟ وهل المفسدة الذاتية المعترف بها تصير اعتبارية حتى تتغير
باختلاف الآراء ؟ وعليه فأصل هذا النحو من التصويب لا يمكن
الاذعان به بناء على مبنى العدلية حتى تصل النوبة إلى إبطاله
بالاجماع
والأخبار المتواترة .
وهذا بخلاف الوجه الثالث ، إذ المفروض أن الحكم المشترك بين
العالم والجاهل إنشائي ، لان قيام الامارة على الخلاف يزاحم الملاك
الواقعي ويمنع فعليته ، ولا مزاحم للمصلحة والمفسدة الواقعيتين
المقتضيتين لانشاء الاحكام هذا مع الغض عن الاشكال المتقدم عن
المحقق الأصفهاني .
وما أفاده المصنف في تقريره من كون الاحكام واقعية وظاهرية لا
يخلو من شئ ، لتعدد الحكمين رتبة ووجودا فكيف يكون كل
منهما فعليا ؟ وأما الثاني - وهو التصويب الأشعري - فقد عرفت
استحالته ، لبرهان الدور والخلف .
وللمحقق الأصفهاني ( قده ) إيراد آخر عليه بعد مناقشته في
المحذورين المتقدمين ، قال : ( وأما بالإضافة إلى الملتفت إلى أنه لا
حكم قبل
العلم والظن ففيه محذور ، فان من يعتقد أنه لا حكم له قبل اعتقاده به
كيف يعقل منه اعتقاد الحكم ؟ لأنه من اجتماع النقيضين ، وجعل
الحكم المبني عليه محال ، لان المبني على المحال محال ) .
ومحصله : أن التصويب بمعنى تبعية جعل الحكم للاعتقاد محال ،
لترتبه على اجتماع النقيضين المستحيل ، حيث إن هذا القائل إما لا
يعتقد
بالحكم لا علما ولا ظنا ، وإما يعتقد بعدم الحكم قبل الاعتقاد ، فعلى
الأول لا موضوع للحكم - وهو الاعتقاد بالحكم - كما لا حكم أيضا
تبعا له ، ولا كلام على هذا الفرض .