تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى الدراية — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
هامش
أما الأول وهو إنشاء أحكام بعدد آراء المجتهدين بعد أدائها وهو أحد الوجهين بنظر المصنف في التصويب المعتزلي ، فيكفي في بطلانه في نفسه مخالفته لمبناهم في التحسين والتقبيح العقليين ، إذ مع الالتزام بكون الملاكات أمورا واقعية لا اعتبارية كيف يفرض القائل بهذا التصويب جعل أحكام متضادة لفعل واحد لمجرد اختلاف آراء المجتهدين ؟ والمفروض فعلية كل واحد منها لأداء رأي المجتهد إليه ، فمثل شرب الخمر مما فيه المفسدة الملزمة المقتضية لانشاء الحرمة كي ينزجر عنها المكلفون كيف ينشأ له الأحكام الخمسة ؟ وهل تتمشى الإرادة والكراهة الجديتان في المبادي العالية ؟ وهل المفسدة الذاتية المعترف بها تصير اعتبارية حتى تتغير باختلاف الآراء ؟ وعليه فأصل هذا النحو من التصويب لا يمكن الاذعان به بناء على مبنى العدلية حتى تصل النوبة إلى إبطاله بالاجماع والأخبار المتواترة . وهذا بخلاف الوجه الثالث ، إذ المفروض أن الحكم المشترك بين العالم والجاهل إنشائي ، لان قيام الامارة على الخلاف يزاحم الملاك الواقعي ويمنع فعليته ، ولا مزاحم للمصلحة والمفسدة الواقعيتين المقتضيتين لانشاء الاحكام هذا مع الغض عن الاشكال المتقدم عن المحقق الأصفهاني . وما أفاده المصنف في تقريره من كون الاحكام واقعية وظاهرية لا يخلو من شئ ، لتعدد الحكمين رتبة ووجودا فكيف يكون كل منهما فعليا ؟ وأما الثاني - وهو التصويب الأشعري - فقد عرفت استحالته ، لبرهان الدور والخلف . وللمحقق الأصفهاني ( قده ) إيراد آخر عليه بعد مناقشته في المحذورين المتقدمين ، قال : ( وأما بالإضافة إلى الملتفت إلى أنه لا حكم قبل العلم والظن ففيه محذور ، فان من يعتقد أنه لا حكم له قبل اعتقاده به كيف يعقل منه اعتقاد الحكم ؟ لأنه من اجتماع النقيضين ، وجعل الحكم المبني عليه محال ، لان المبني على المحال محال ) . ومحصله : أن التصويب بمعنى تبعية جعل الحكم للاعتقاد محال ، لترتبه على اجتماع النقيضين المستحيل ، حيث إن هذا القائل إما لا يعتقد بالحكم لا علما ولا ظنا ، وإما يعتقد بعدم الحكم قبل الاعتقاد ، فعلى الأول لا موضوع للحكم - وهو الاعتقاد بالحكم - كما لا حكم أيضا تبعا له ، ولا كلام على هذا الفرض .