شرح
بالحكم لا بد وأن يتأخر رتبة عن ذلك الحكم ، وإلا فلا يصدق حد
الاجتهاد على الاجتهاد الموجب لوجود الحكم قبله .
وبالجملة : فتعريف العامة الاجتهاد بالمعنى المذكور آنفا ينافي
ذهابهم إلى التصويب بهذا المعنى المستحيل .
الثالث : أن يكون المراد من التصويب التصويب بالنسبة إلى الحكم
الفعلي ، لا جميع مراتب الحكم ، وبيانه : أن للحكم الواقعي في كل
واقعة
مراتب أربع : الاقتضاء والانشاء والفعلية والتنجز . وله تعالى في الواقع
أحكاما مجعولة على حسب ما فيها من المصالح المقتضية لجعلها ،
وهي التي قامت الامارات عليها ، وتلك الأحكام إنشائية ، فإن أصابت
الامارات القائمة عليها الموجبة لظن المجتهد بها صارت فعلية ، وإن
أخطأت صار الحكم الفعلي مؤدى الامارة ، لحدوث مصلحة في
مؤداها بسبب قيام الامارة عليه تكون تلك المصلحة أقوى من مصلحة
الحكم
الانشائي ، فيكون الحكم الفعلي على طبق الامارة ، لحصول الكسر
والانكسار في الملاك الواقعي الثابت في الفعل كشرب الخمر ، بعد
حدوث مصلحة في العمل بالامارة .
وهذا نظير الاحكام الثانوية الفعلية المترتبة على العناوين الثانوية ،
ويبقى الحكم الواقعي الأولي على إنشائيته ، فمن لم تقم عنده أمارة
على الحكم لم يكن حكم فعلي في حقه ، وبه يتعدد الحكم الفعلي
بعدد آراء المجتهدين .
وحكم هذا التصويب المعتزلي هو : أنه معقول في نفسه - بناء على
موضوعية رأي المجتهد وسببية كل أمارة لحدوث مصلحة في مؤداها
توجب تغير الحكم الواقعي - إذ لا مانع من توقف فعلية الأحكام الواقعية
على قيام الامارة على طبقها ، ومن اختصاص تلك الأحكام
ببعض المكلفين دون بعض ، نظير اختصاص أحكام النساء بهن ،
وعدم اشتراك الرجال فيها معهن .
والذي يرد على هذا المعنى للتصويب أمور عمدتها أمران ، أحدهما :
بطلان أصل المبني ، للاجماع على عدم كون الامارة حجة من باب
السببية حتى تكون مغيرة للواقع كما يتغير بطروء عنوان ثانوي كالضرر
والخوف والاضطرار .