واختلفت في الشرعيات ، فقال أصحابنا بالتخطئة فيها أيضا ، وأن ( 1 )
له تبارك وتعالى في كل مسألة حكم يؤدي إليه الاجتهاد تارة
وإلى غيره أخرى . وقال مخالفونا بالتصويب ، وأن ( 2 ) له تعالى أحكاما
شرح
المعدوم وأدرك عقل عمرو استحالتها ، أو أدرك عقل رجل قبح
الكذب الضار ، وعقل آخر عدم قبحه مطلقا بل فيما كان المتضرر هو
المؤمن ، أو أدرك عقل أحدهما حسن الصدق النافع ، وآخر قيده
بشئ مثلا ، فلو قيل بالتصويب فيها لزم اجتماع الضدين بل النقيضين ،
و
هو محال ، إذ الواقع إما أن يكون ظرفا لاستحالة إعادة المعدوم وإما
لامكانها ، لبداهة امتناع أن يقال : إن إعادة المعدوم ممكنة
ومستحيلة ، فالتخطئة في هذا السنخ من العقليات مما لا بد منه .
ولا فرق في ذلك بين الحكم العقلي الذي موضوعه حكم شرعي
كحسن الإطاعة وقبح المعصية وبين غيره مما تقدم كاستحالة إعادة
المعدوم وإمكانها ، لوحدة المناط وهو استحالة اجتماع الضدين أو
النقيضين .
وليعلم أن الاتفاق على التخطئة في العقليات وإنما يكون مورده
الأحكام العقلية التي تقع طرقا إلى استكشاف الواقعيات كالملازمة بين
وجوب المقدمة وذيها ، فإن هذه الملازمة أمر واقعي يدركها العقل تارة
ولا يدركها أخرى ، وكذا استحالة شئ واقعا أو مصلحته أو
مفسدته كذلك . وأما الأحكام العقلية غير الطريقية التي لا واقع لها
ويكون إدراك العقل مقوما لحكمه فلا محيص عن الالتزام بالتصويب
فيها ، ضرورة أن الحسن العقلي حينئذ ليس إلا ملائمة الشئ لدى
القوة العاقلة كملامة الشئ لدى سائر القوى من الذائقة والشامة
واللامسة ، كما أن القبح العقلي عبارة عن منافرته لدى القوة العاقلة
كإدراكه حسن العدل وقبح الظلم ، ومن المعلوم عدم تطرق الخطأ في
الأمور الوجدانية المتقومة بإدراكات العقل .
( 1 ) عطف تفسير ل ( التصويب ) وقوله : ( تارة ) متعلق ب ( يؤدي ) .
( 2 ) عطف تفسير ل ( التصويب ) وبيان لما يعتقده المخالفون ، لكنك
عرفت اختلاف كلماتهم في المسألة ، وتفصيلهم بين الظن الحاصل من
الكتاب والسنة والحاصل من سائر