هامش
لان حجية رأي الغير في حقه أول الكلام ، والأصل عدم الحجية ،
وذلك لانصراف أدلة حجية الرأي على الغير عمن له ملكة الاجتهاد .
ولان
الجزم بالامتثال يتوقف على اجتهاده والعمل برأي نفسه ، ولا يحصل
بالتقليد ، لاحتمال تخطئته للغير في فتواه .
فلا يصغى إلى ما قيل : ( من جواز رجوعه إلى الغير ، لان مجرد وجود
الملكة لا يجعل المتصف بها عالما بالأحكام ، فهو بعد جاهل بها ،
فيجوز له تقليد غيره ، لكونه من رجوع الجاهل إلى العالم ) وذلك لما
عرفت من الشك في حجية فتوى الغير بعد التمكن من العلم بالمؤمن
الواجب عقلا تحصيله ، والمفروض كون رأي الغير في حقه مشكوك
المؤمنية .
فان قيل : إن مقتضى عدم حجية رأي الغير بالنسبة إلى واجد الملكة هو
عدم حجيته لفاقدها أيضا مع التمكن من تحصيلها ولو بعد سنين
بالدراسات الممتدة في أزمنة متمادية ، وهذا مما لا يلتزم به .
قلنا : إن القياس مع الفارق ، لان واجد الملكة قادر فعلا على تحصيل
العلم بالوظيفة الفعلية ، بخلاف فاقدها ، فإن إيجاب ذلك عليه مساوق
لوجوب الاجتهاد عينا مع وضوح كونه كفائيا كما هو مقتضى آية النفر .
كما لا يشمله الامر بالسؤال من أهل الذكر ، فإن المخاطب
بالسؤال هو الجاهل ، وذو الملكة لا يصدق عليه الجاهل حتى يطلب
منه السؤال ، لاحتمال كونه مخطئا للعالم الذي يرجع هو إليه ، بل قد لا
يكون المسؤول عالما بنظره ، فيكون من رجوع العالم إلى الجاهل .
والمقام نظير من يكون مديونا جاهلا بمقدار الدين ، لكنه مضبوط في
دفتره ، بحيث إذا رجع إليه علم مقداره تفصيلا ، فهل يجوز له عقلا
أن يقتصر في معرفة مقداره على إخبار من يحتمل كذبه ولا يطمئن
بصدقة مع التمكن من العلم تفصيلا بمقداره ؟ فان من المعلوم عدم
حكم العقل بفراغ ذمته عن ذلك الدين إلا بمراجعة الدفتر المزبور .
وإن شئت فقل : إن رجوعه إلى غيره إما من رجوع الجاهل إلى الجاهل
في نظره ، وإما من رجوع العالم إلى الجاهل ، فالتمسك بأدلة
التقليد على جواز رجوع واجد الملكة إلى غيره تمسك بالدليل في
الشبهة المصداقية ، إذ المفروض احتمال تخطئة واجد الملكة لغيره
في
الفتوى ، فلا يكون ذلك الغير عالما بنظره .
ولا وجه أيضا لاستصحاب جواز رجوعه إلى الغير الذي كان ثابتا قبل
حصول الملكة له ، وذلك لعدم حجيته في تبدل الحال الموجب
للشك في بقاء الموضوع .