شرح
الجهة الثانية : في جواز رجوع الغير إلى صاحب الملكة قبل التصدي
للاستنباط ، وعدمه .
وملخص الكلام فيها : أن الحق عدم الجواز ، إذ لا موضوع لجواز
الرجوع مع فرض عدم الاستنباط ، لكون موضوعه ( العالم والفقيه
وأهل
الذكر ) ونحوها ، ولا يصدق شئ منها على من لم يستنبط بعد ، فإن
الفتوى جهة تقييدية في الحكم بجواز التقليد ، فبدونها لا موضوع
لجواز التقليد أصلا ، لظهور ( الفقهاء ) في رواية الاحتجاج و ( عرف
أحكامنا ) في المقبولة وغيرهما من العناوين في الفعلية كسائر
العناوين المأخوذة في حيز الخطابات ، فأدلة رجوع الجاهل إلى العالم
كلها أجنبية عن رجوع الجاهل إلى واجد الملكة المجردة عن
الاستنباط الفعلي ، ومع الشك في عالميته لا يجوز الرجوع إليه ، لكون
الشبهة مصداقية ، وقد تحقق في محله عدم جواز التمسك بالدليل
فيها .
وأما إذا اجتهد في بعض الأحكام دون الجملة المعتد بها التي يصدق
معها العارف بالأحكام ، فهل يجوز تقليده في ذلك البعض أم لا ؟ بعد
وضوح حجية رأيه في عمل نفسه .
قد يقال : إن السيرة العقلائية تقضي بجواز الرجوع إليه من باب رجوع
الجاهل إلى العالم ، حيث إن استنباط بقية الاحكام وعدمه لا دخل
له بحجية ما استنبطه .
وردت بأن الأدلة اللفظية رادعة عن السيرة ، إذ لا يصدق عليه عنوان
( الفقيه والعالم بالأحكام ) إلا بعد استنباط جملة معتد بها من
الاحكام .
ونوقش في هذا الرد بأن الأدلة اللفظية لا مفهوم لها ، وأنها غير رادعة
عن السيرة .
وأنت خبير بأن السيرة لم تثبت في ظرف وجود من استنباط كثيرا من
الاحكام . ولو بني على ثبوتها فلا بد من رادعية الأدلة اللفظية
لها ، لان تلك الأدلة في مقام التحديد الموجب المفهوم .
فدعوى عدم المفهوم لها حيث تكون رادعة للسيرة غير مسموعة .
وأما كونها في مقام التحديد فلأنها تبين موضوع جواز الرجوع ، وأن
موضوعه هو الفقيه والعالم بالأحكام ونحوهما مما لا يصدق على من
استنبط شيئا قليلا من الاحكام . ولا أقل من الشك في اعتبار السيرة
مع هذه الأدلة اللفظية ، ومن المعلوم قضاء الأصل بعدم الحجية .
فالمتحصل : أنه لا سبيل لاثبات جواز الرجوع إلى من استنبط قليلا من
الاحكام . ولهذا الكلام تتمة سيأتي في التعليقة المرتبطة بأحكام
المتجزي .