هامش
فالاجتهاد بمعنى استفراغ الوسع ونحوه لا يتوقف على قوة قدسية
وموهبة إلهية وقذف نور منه تعالى شأنه في قلب المستنبط وإن
كان كل كمال علمي وعملي منه تعالى . فما في القوانين والفصول من
( اعتبار القوة القدسية ) إن أريد به مجرد ملكة الاستنباط كان في
محله ، لما تقدم من استحالة الاجتهاد بدون هذه الملكة . وإن أريد به
أمر آخر وهو إشراق الفيوضات الربانية على قلب المجتهد ، فلا
ريب في عدم اعتباره في أصل الاجتهاد ، لحصول ملكة الاستنباط
للعادل والفاسق والمؤمن والمنافق بمجرد إتقان المبادئ الدخيلة في
تحصيل الحجة على الحكم الشرعي .
نعم لا شك في أن المجتهد الموضوع لجميع الآثار كنفوذ قضائه
وولايته على القصر والجهات وغيرهما هو المجتهد العادل ، بل فوق
العدالة بناء على ما هو المحتمل من رواية التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري
عليه السلام . وحصول هذه الملكة القدسية يتوقف على
الالتزام العملي بأوامر الشارع ونواهيه وتخلية النفس من الرذائل
وتحليتها بالفضائل والمراقبة في الخلوة والجلوة ، فإنه لا يعزب عن
علمه وساوس النفس فضلا عن أعمال الجوارح ، ولا ريب في أن
حصول هذه القوة القدسية في مثل هذه الأزمنة كاد أن يلحق
بالمحالات
إلا من شملته العناية الإلهية ، عصمنا الله جميعا من الخطأ والزلل في
القول والعمل .
وفي ختام الكلام لا بأس بذكر أمر تعرض له بعض المحققين ، وهو :
أن ملكة الاجتهاد تفترق عن الملكات الخلقية كالشجاعة
والسخاوة ونحوهما بأن هذه الملكات تحصل من الافعال المسانخة
لاثارها ، فالشجاع لا بد أن تتكرر منه منازلة الابطال ، والاقدام في
المخاوف حتى تحصل له ملكة الشجاعة ويصح إطلاق الشجاع عليه ،
وبعد حصولها تكون الافعال الصادرة منه آثارا لتلك القوة الراسخة
في نفسه ، ومسانخة للأفعال السابقة على حصول الملكة ، فالافعال
السابقة على حصولها واللاحقة له متماثلة .
وهذا بخلاف ملكة الاستنباط ، فإن حصولها منوط بإتقان مبادئ
الاجتهاد خصوصا علم الأصول ، وبعد حصول هذه الملكة تكون
نتيجتها
القدرة على استنباط الاحكام الفرعية ، ومن المعلوم مغايرة الاستنباط
المتوقف على الملكة للمبادئ التي يتوقف حصول الملكة عليها .
وحيث كانت ملكة الاستنباط مقدمة على نفس العمل - لاستحالته بلا
قوة عليه - تعرف إمكان انفكاكها عن الاستنباط الخارجي ، فقد
تحصل هذه القدرة بسبب إتقان مبادئ حصول الملكة ،