تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى الدراية — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
هامش
فالاجتهاد بمعنى استفراغ الوسع ونحوه لا يتوقف على قوة قدسية وموهبة إلهية وقذف نور منه تعالى شأنه في قلب المستنبط وإن كان كل كمال علمي وعملي منه تعالى . فما في القوانين والفصول من ( اعتبار القوة القدسية ) إن أريد به مجرد ملكة الاستنباط كان في محله ، لما تقدم من استحالة الاجتهاد بدون هذه الملكة . وإن أريد به أمر آخر وهو إشراق الفيوضات الربانية على قلب المجتهد ، فلا ريب في عدم اعتباره في أصل الاجتهاد ، لحصول ملكة الاستنباط للعادل والفاسق والمؤمن والمنافق بمجرد إتقان المبادئ الدخيلة في تحصيل الحجة على الحكم الشرعي . نعم لا شك في أن المجتهد الموضوع لجميع الآثار كنفوذ قضائه وولايته على القصر والجهات وغيرهما هو المجتهد العادل ، بل فوق العدالة بناء على ما هو المحتمل من رواية التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام . وحصول هذه الملكة القدسية يتوقف على الالتزام العملي بأوامر الشارع ونواهيه وتخلية النفس من الرذائل وتحليتها بالفضائل والمراقبة في الخلوة والجلوة ، فإنه لا يعزب عن علمه وساوس النفس فضلا عن أعمال الجوارح ، ولا ريب في أن حصول هذه القوة القدسية في مثل هذه الأزمنة كاد أن يلحق بالمحالات إلا من شملته العناية الإلهية ، عصمنا الله جميعا من الخطأ والزلل في القول والعمل . وفي ختام الكلام لا بأس بذكر أمر تعرض له بعض المحققين ، وهو : أن ملكة الاجتهاد تفترق عن الملكات الخلقية كالشجاعة والسخاوة ونحوهما بأن هذه الملكات تحصل من الافعال المسانخة لاثارها ، فالشجاع لا بد أن تتكرر منه منازلة الابطال ، والاقدام في المخاوف حتى تحصل له ملكة الشجاعة ويصح إطلاق الشجاع عليه ، وبعد حصولها تكون الافعال الصادرة منه آثارا لتلك القوة الراسخة في نفسه ، ومسانخة للأفعال السابقة على حصول الملكة ، فالافعال السابقة على حصولها واللاحقة له متماثلة . وهذا بخلاف ملكة الاستنباط ، فإن حصولها منوط بإتقان مبادئ الاجتهاد خصوصا علم الأصول ، وبعد حصول هذه الملكة تكون نتيجتها القدرة على استنباط الاحكام الفرعية ، ومن المعلوم مغايرة الاستنباط المتوقف على الملكة للمبادئ التي يتوقف حصول الملكة عليها . وحيث كانت ملكة الاستنباط مقدمة على نفس العمل - لاستحالته بلا قوة عليه - تعرف إمكان انفكاكها عن الاستنباط الخارجي ، فقد تحصل هذه القدرة بسبب إتقان مبادئ حصول الملكة ،