ولذا ( 1 ) لا شبهة في كون استفراغ الوسع في تحصيل
شرح
الكبرى وهو تحصيل الحجة على الحكم . وبيانه : أن تعريف الاجتهاد
ب ( تحصيل الظن بالحكم الشرعي ) قد ورد في كتب العامة
كالحاجبي والخاصة كالعلامة ، وإن كان مقصود العلامة من الظن غير
ما أراده الحاجبي . وأخذ الظن في التعريف صار منشأ للايراد
عليه بعدم حجية الظن ، وورود النهي عن متابعته في الكتاب العزيز ،
ولأجله عدل بعض العامة وجمع من الخاصة عن أخذ الظن إلى أخذ
العلم في التعريف ، فمن العامة الغزالي وغيره حيث حكي عنه تعريف
الاجتهاد بأنه ( بذل المجتهد وسعه في تحصيل العلم بالحكم
الشرعي ) ومن الخاصة ما تقدم في المتن من تعريف شيخنا البهائي ،
إذ لم يؤخذ فيه قيد العلم ولا الظن .
وكذلك أورد بعض أصحابنا المحدثين على الأصوليين بعدم العبرة
بالاجتهادات الظنية ، للنهي عن متابعة الظن . وعليه فلو عرف
الاجتهاد بأنه ( تحصيل الحجة على الحكم الشرعي ) كان به التخلص
عن إشكال أخذ الظن في التعريف ، لان تحصيل الحجة على الحكم
مما
لا بد منه بحكم العقل عند الكل ، وإنما يقع الكلام في مصداق ما هو
الحجة ، ومن المعلوم أن ما اختلف في مصداقيته للحجة لا يليق أخذه
في
التعريف حتى يكون منشأ للنزاع والنقض ، فأكثر العامة وإن عملوا
بالظنون الحاصلة من القياس والاستحسان والمصالح المرسلة
وسيرة الصحابة ونحوها ، إلا أنها بنظرهم حجج على الاحكام ، فلا وقع
للايراد على أصل التعريف بأن ( الاجتهاد هو استفراغ الوسع في
تحصيل الحجة ) لان هذا المعنى مسلم عند الكل ، وإنما يرد عليهم
عدم اعتبار هذه الظنون ، إذ لا دليل على حجيتها لولا الدليل على
إلغائها .
وكذا الحال في نزاع المحدثين مع الأصوليين ، لعدم كون النزاع في
لزوم تحصيل الحجة ، لالتزام الكل به ، وإنما هو في مصداق الحجة ،
كما سيأتي ( إن شاء الله تعالى ) .
( 1 ) غرضه الاستشهاد على أن أخذ الظن في تعريف الاجتهاد يكون
لأجل كونه مصداق الحجة ، لا لموضوعيته بالخصوص في الاجتهاد
حتى لا يكون الاستنباط المؤدي إلى العلم بالحكم الشرعي اجتهادا
مصطلحا ، فالمناط كله تحصيل الحجة سواء كان علما أم ظنا أم
غيرهما .