شرح
وسفيرا إلى خلقه ، فببعثته يثبت له منصب المخبرية والسفارة ، وللنبوة حينئذ معنى فاعلي لا مفعولي ، لأنها بالمعنى الأول أمر واقعي ،
لان النبي ممن أنبأه الله تعالى بمعارفه ، لا أمر اعتباري .
ثالثها : أن يراد بالنبوة المستصحبة أحكام شريعة يشك في منسوخيتها بشريعة أخرى . فهذه احتمالات ثلاثة لا بد من ملاحظة كل منها .
فان أريد بها المعنى الأول ، فلا يجري فيها الاستصحاب ، إما لاختلال ركن الشك في البقاء ، وإما لاختلال شرط جريانه أعني كون
المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا لحكم شرعي .
أما اختلال الشك فلأجل أن الشك في بقاء النبوة بمعنى المرتبة القدسية لا بد أن يكون إما لانحطاط نفسه المقدسة أو للموت أو لمجئ
نبي آخر ، والكل غير معقول .
أما الأول - وهو الذي اقتصر عليه في المتن - فلان الانحطاط إنما يتصور في الملكات الحاصلة للنفس بالتخلق من تحليها بالفضائل
بسبب المجاهدة كملكة العدالة والجود والايثار ، فيحصل الضعف فيها ، بل ربما تزول بسبب تسويلات النفس الامارة بالسوء . وحيث إن
لملكة النبوة درجة التحقق ووصولها من مرتبة القوة والاستعداد إلى مرتبة الفعلية المستلزمة لمقام الوحي ، فانحطاطها معناه العود
والانقلاب إلى القوة المستحيل عادة .
وأما الثاني فلان الموت لا يوجب زوال سائر الملكات الراسخة فضلا عن هذه الملكة الشامخة ، كيف والدنيا مزرعة الآخرة ، والمعرفة
بذر المشاهدة ، فكيف يعقل زوالها بالموت ؟ وكيف تنقلب النفوس العالية الخاصية بالموت إلى نفوس سافلة عامية ، مع أن الموت لو لم
يوجب قوة المشاهدة لم يوجب ضعفها .
وأما الثالث وهو زوالها بمجئ نبي لاحق ولو كان أكمل فلوضوح أن زيادة كمال شخص لا توجب زوال كمال شخص آخر أو نقصه .