ومراجعة ديدن العقلا من أهل الملل والأديان ، حيث إنهم لا
يحترزون مما [ عما ] لا تؤمن مفسدته ، ولا يعاملون معه ( 1 ) معاملة ما
علم
مفسدته ، كيف ( 2 ) وقد أذن الشارع بالاقدام عليه ، ولا يكاد يأذن
بارتكاب القبيح ، فتأمل ( 3 ) .
شرح
صدور القبيح عن الحكيم تعالى ، فصدور الاذن فيه منه تعالى يشهد
بعدم قبحه ، فلا أصل للقاعدة المذكورة .
( 1 ) أي : مع ما لا تؤمن مفسدته .
( 2 ) يعني : كيف يكون الاقدام على محتمل المفسدة قبيحا ؟ والحال
أن الشارع قد أذن في الاقدام عليه ، مع قضاء الضرورة بامتناع
صدور الإذن في ارتكاب القبيح منه .
( 3 ) لعله إشارة إلى : أن اذن الشارع في ارتكاب محتمل المفسدة لا
يكون شاهدا على عدم قبح ارتكابه ، إذ من الممكن اذنه في ارتكاب
محتمل المفسدة مع بقائه على قبحه ، غاية الأمر أن اذنه فيه سبب
لتدارك قبحه ولو بالمصلحة التسهيلية أو كاشف عن وجود المزاحم
الأهم أو المساوي .
أو إشارة إلى : أن التخلص بإذن الشارع في الشبهة الموضوعية عن قبح
الاقدام على ما لا يؤمن مفسدته يخرجنا عن التمسك بالدليل
العقلي على البراءة ويحوجنا في الجواب عن تلك القاعدة إلى
الترخيص الشرعي .
أو إشارة إلى : منع الصغرى المتقدم بقوله : ( مع أن احتمال الحرمة أو
الوجوب لا يلازم احتمال المضرة ) وأن غير المؤاخذة من المفاسد -
التي هي مناطات النواهي الشرعية - ليست من المضار الدنيوية التي
لا يحكم العقل بلزوم الاحتراز عنها ، بل لو اطلع عليها العقل - كما إذا
أعلمه الشارع بها - حكم بوجوب الاجتناب عنها أيضا كالضرر
الأخروي بناء على الملازمة بين حكمي العقل والشرع .