وأما الواجبات التعبدية ، فيمكن ( 1 ) أن يقال : بجواز أخذ الأجرة على
إتيانها بداعي امتثالها ، لا على نفس الاتيان كي ينافي عباديتها ،
فيكون ( 2 ) من قبيل
شرح
التي يكون الواجب فيها المعنى المصدري الذي لا ينافي بقاء العمل -
كالصناعات من الخياطة والنجارة وغيرهما - أو بقاء المال على
المملوكية ، كوجوب بيع الطعام في المخمصة ، وبيع العبد المسلم
تحت يد المولى الكافر ، إلى غير ذلك من الأمثلة .
وأما الواجبات التعبدية ، وهي التي يشترط في صحتها قصد القربة في
مقابل الواجبات التوصلية التي لا يشترط في صحتها ذلك ، فيشكل
جواز أخذ الأجرة عليها بوجهين :
أحدهما : منافاة الأجرة لقصد القربة ، لان الداعي إلى فعلها هو الأجرة ،
لا القربة ، فعدم جواز الاخذ مستند إلى فوات شرط صحة العبادة ،
وما به قوام عباديتها .
ثانيهما : أن أخذ الأجرة بإزاء الواجبات العبادية يكون أكلا للمال
بالباطل ، ضرورة أنه يشترط في صحة الإجارة - كغيرها من العقود
المعاوضية - وجود نفع يعود إلى المستأجر عوضا عن الأجرة ، إذ
لولاه لزم خلاف مقتضى المعاوضة ، كما لا يخفى .
ولا يوجد في العبادات الواجبة نفع حتى يعود إلى المستأجر ، فيكون
أخذ المال بإزائها أكلا له بالباطل .
( 1 ) هذا ناظر إلى : دفع الاشكال الأول ، ومحصل ما أفاده في دفعه تبعا
لغيره هو : أن الأجرة لا تبذل بإزاء نفس الواجب العبادي لتنافي
القربة المقومة لعباديته ، بل تبذل لاحداث الداعي إلى إيجاد العمل
بداعي أمره ، فتقع العبادة عن دعوة أمرها ، فيكون الداعي إلى إتيانها
بدعوة أمرها هو أخذ الأجرة . نظير الاتيان بطواف النساء على وجه
العبادة بداعي جواز الاستمتاع بهن ، والآتيان ببعض الصلوات
المندوبة على وجه قربي لقضاء الحوائج المشروعة من سعة الرزق ،
والشفاء من المرض ، وطلب الولد ونحو ذلك .
( 2 ) يعني : أن أخذ الأجرة يكون داعيا إلى الاتيان بالعبادة بداعي
أمرها ، وهذا هو المراد بقوله : - من قبيل الداعي إلى الداعي - .