مجتهداً مطلقاً ذا مذهب مستقل ، بل هو من أتباع إمام مجتهد ، ولكنّه ذو رأي معتبر في ضمن مذهب إمامه ، وفي البناء على أُصوله . ( 1 )
هذه العوامل الثلاثة وإن سببت ركود الحركة الاجتهادية ، ولكنّها عوامل جانبية على ما يبدو ، بل هناك سبب آخر وهو المهم في شلِّ الحركة العلمية الفقهية ، وهو تأثير السياسة التي اتّخذها القادر باللّه الخليفة العباسي للحد من نشاط الحركة الاجتهادية حيث تصدّى للخلافة ما يقرب عن 41 عاماً . ( 2 ) ساد في هذه الفترة الطويلة فكرة التقشف والتنسّك وذم الفكر والاجتهاد في الدين ، ويعرب عن ذلك ما ذكر من حالاته وأفعاله ، فقد عرفوا القادر باللّه بأنّه : صنّف كتاباً ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث ، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز ، وأفكار المعتزلة ، والقائلين بخلق القرآن ، وكان الكتاب يُقرأ في كلّ جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي ، ويحضر الناسُ سماعه ، ذكر محمد بن عبد الملك الهمداني انّ القادر باللّه كان يلبس زي العوام ويقصد الأماكن المعروفة بالبركة ، كقبر معروف وتربة ابن بشار . ( 3 )
وقد بلغ كبح جماح الفكر بمكان انّه استتاب القادر باللّه سنة 408 ه فقهاء المعتزلة والحنفية ، فأظهروا الرجوع وتبرّأوا من الاعتزال ، ثمّ نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام ، وأخذ خطوطهم بذلك وانّهم متى خالفوه حلَّ بهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم ، وامتثل يمين الدولة وأمين الملّة أبو القاسم محمود أمر أمير المؤمنين ، واستنّ بسننه في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة
هامش
1 . مصطفى أحمد الزرقاء : المدخل الفقهي العام : 1 / 177 - 179 .
2 . بويع بالخلافة عام 381 ه وتوفي عام 422 ه . لاحظ المنتظم : 14 / 353 و 15 / 217 .
3 . ابن الجوزي : المنتظم : 14 / 354 .