تعصب عليه هؤلاء ، لأنّه جمع كتاباً ذكر فيه اختلاف الفقهاء ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل ، فسئل عن ذلك ؟ فقال : لم يكن فقيهاً وإنّما كان محدّثاً . ( 1 )
هذه الجمل المتناثرة من التاريخ تكشف لنا بوضوح عن سيادة أهل الحديث والسلفية على البيئات العلمية ونصرة السلطات الحاكمة لها ، ممّا أصاب الفكر الحرَّ الجمودُ والانتكاس ، كما يعلم انّ انحصار المذاهب الفقهية في الأربعة لم يكن وليد الساعة وإنّما آل الأمر إليه بالتدريج عبر الزمان .
نعم كانت قبل المذاهب الأربعة ومعها ، مذاهب فقهية أُخرى كان لها دعاة ، نذكر على سبيل المثال بعضها ; مذهب الأوزاعي ، وسفيان الثوري ، وداود الإصفهاني ، ومحمد بن جرير الطبري وغير ذلك ، فهذه مذاهب بائدة ، بادت لعوامل شتى واستقرت المذاهب الفقهية بالتدريج في الأربعة .
كثرة التخريج والتفريع
أُصيب الفقه الإسلامي السنّي في هذه الفترة بركود في حين نشطت حركة أُخرى وإن كانت أقل قيمة ألا وهي حركة التخريج والتفريع ، فجمعوا الآثار ، ورجّحوا بين الروايات ، وخرّجوا علل الأحكام ، واستخرجوا من شتّى المسائل والفروع أُصول أئمتهم وقواعدهم التي بنوا عليها فتاواهم ، وألّفوا كتب الخلافيات جمعوا فيها أحكام الأئمّة وأدلّتهم ، ونصر كل مذهب إمامه ، ودَعَمَ رأيه وزيّف أدلّة مخالفيه ، وأفتوا في مسائل كثيرة لم يكن لأئمتهم فيها نص ، فهم مكمّلون لمذاهب أئمتهم بما قاموا به من النظر في ترجيح الأقوال ، والتنبيه على مسالك التعليل ومدارك الأدلّة ، وبيان تنزيل الفروع على الأُصول ، وإيضاح المشكل وتقييد المهمل ، ومقابلة بعض الأقوال ببعض ، والنظر في تمييز قويّها من ضعيفها .
هامش
1 . آدم متز : الحضارة الإسلامية : 1 / 363 و 369 و 370 .