استنبط بها ما دوّنه من الأحكام ، فإذا أتم ذلك صار من العلماء الفقهاء ، ومنهم من تعلو به همّته فيؤلّف كتاباً في أحكام إمامه إمّا اختصاراً لمؤلّف سبق ، أو شرحاً له ، أو جمعاً لما تفرّق في كتب شتّى ، ولا يستجيز الواحد منهم لنفسه أن يقول في مسألة من المسائل قولاً يخالف ما أفتى به إمامه ، كأنّ الحقّ كلّه نزل على لسان إمامه وقلبه ، حتّى قال طليعة فقهاء الحنفية في هذا الدور وإمامهم من غير منازع ، وهو أبو الحسن عبيد اللّه الكرخي : كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة ، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ ، وبمثل هذا أحكموا دونهم إرتاج باب الاختيار . ( 1 )
لقد تلقّى المتأخرون ، المذاهب الأربعة تراثاً إسلامياً بلغ من القداسة كأنّه موحى من اللّه لا يمكن النقاش فيه ، ولا يجوز الخروج عن إطاره ، فأصبحت نصوص الأئمّة الأربعة ، كالوحي المنزل يجب استفراغ الوسع في فهم كلامهم ، ومؤدّى لفظهم ، خلف ذلك فيما بعد آثاراً سلبية حالت دون تكامل الفقه ، منها :
1 . نشوء روح التقليد عند فقهاء تلك الأعصار ، والتعصّب لمذهب الأسلاف .
2 . كثرة التخريج والتفريع والترجيح بين فقهاء المذاهب ، فإنّهم بدل أن يبذلوا جهودهم في فهم الكتاب والسنّة انصبت جهودهم في استنباط الفروع من الأُصول الثابتة عند أئمّة المذاهب ، ولأجل ذلك كثر التأليف والتصنيف في هذه العصور وأكثرها يحمل طابع التخريج والتفريع ، وقد حفظ تاريخ طبقات الفقهاء أسماء الذين برعوا في تلك الأعصار ، وكلّ يحمل على عاتقه الدفاع عن المذهب الذي ينتحله ، ويتعصّب له ، ويؤلّف في فقه إمامه ، أو يشرح كتب من ألّف من فقهه .
هامش
1 . الخضري بك : تاريخ التشريع الإسلامي : 278 ط دار الفكر .