ولكنّهم فيما بعد آثروا اختيارهم من المقلّدين ، ليقيدوهم بمذهب معين ، ويعيّنوا لهم ما يحكمون على أساسه بحيث يكونون معزولين عن كلّ قضاء يخالف ذلك المذهب ، ولأنّ بعض القضاة المجتهدين كان يتعرض الفقهاء المذهبيون لتخطئته ، فيكون حكمه مثاراً لنقد الناس لا سبب اطمئنان لهم .
وهكذا كان تقيّد القاضي بمذهب يرتضيه الخليفة سبباً في اكتفاء أكثر الناس به وإقبالهم عليه .
3 . تدوين المذاهب
إنّ تدوين المذاهب قد سهّل على الناس تناولها ، والناس دائماً يطلبون السهل اليسير دون الصعب العسير ، وقد كان يدفع الناس إلى الاجتهاد في العصور السابقة ضرورة ملجئة إلى تعرّف أحكام حوادث وشؤون جديدة ما كانوا يعرفون حكمها الشرعي .
فلمّا جاء المجتهدون ودوّنوا أحكام الحوادث التي عرضت والتي يحتمل عروضها ، صار الناس كلّما عرضت لهم مسألة وجدوا السابقين قد تعرّضوا لها ، فاكتفوا بمقالهم في شأنها ، فسدّت حاجتهم بما وجدوا ، فلا عامل يحفزهم إلى بحث جديد .
وساعد على ذلك ما للأقدمين من موقع علمي كبير جدير بالتقدير ، وما يكسبهم تفوقهم على مضي الزمن من إجلال ، وما يكون من عناية الأهم بتكريم سلفها الصالح ليرتبط حاضرها بماضيها برباط متين .
لهذا كلّه انصرف الناس إلى التقليد ، اللّهمّ إلاّ في تعرّف علل الأحكام المذهبية ، أو ترجيح بعض الآراء في المذهب نفسه على غيرها .
ويسمّى من أُوتي القدرة العلمية على ذلك : مجتهداً في المذهب ، أي انّه ليس
موسوعة طبقات الفقهاء ( المقدمة ) — صفحة 78
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٧٨