لأجل ذاتها ، لا لأجل بعث آخر ، ويكون بعث المولى متعلِّقاً بها أوّلاً ، ويكون لها
استقلال في عالم البعث والطلب وإن كان تترتّب عليها فوائد .
بخلاف الواجبات الغيرية ، فإنّ الطلب الغيري طلب فان في الغير مترشِّح
عنه مستظلّ به غير مستقلّ في عالم البعث ، فالبعث في الواجبات الغيرية يكون
ظلَّ بعث آخر وفيئه ؛ بحيث يمكن أن يقال : إنّه ليس بطلب وبعث باعتبار ،
ويمكن أن يقال : إنّه بعث مندكّ في بعث ، فيمكن أن يقال : أن لا بعث إلاّ إلى ذي
المقدّمة ، ويكون البعث إلى المقدّمات بعين البعث إلى ذيها ، لا أنّ لها بعثاً مستقلاًّ
منظوراً إليه ، بخلاف البعث إلى ذي المقدّمة ، فإنّه مستقلّ منظور إليه ولو لأجل
ترتّب فوائد عليه ( 38 ) .
هامش
38 - قد مرّ الكلام في عدم ترشّح الإرادة والوجوب عن غيرهما ( الصفحة 88 ، الهامش 39 ) .
والصحيح : أنّ إرادة الفاعل والآمر لشيء وإن كانت لأغراض متصاعدة إلى أن تبلغ مقصوداً
بالذات ، لكن تقسيم الواجب إلى أقسامه ليس باعتبار الإرادة أو الغرض ؛ فإنّهما خارجان
عن اعتبار الوجوب والواجب ، بل تقسيم الواجب إلى النفسي والغيري باعتبار تعلّق البعث
والوجوب ، فقد يتعلّق البعث بشيء لأجل التوصّل إلى مبعوث إليه فوقه وتوقّفه عليه ،
وقد يتعلّق به من غير أن يكون فوقه مبعوث إليه ، فالأوّل غيري ، والثاني نفسي .
ولا يرد على هذا ما قد يقال : من أنّ الواجبات مطلقاً مطلوبة لأجل التوصّل إلى أغراض
ولأجل حصول ملاكات ، فتكون كلّها غيريات ؛ وذلك لأنّ التقسيم باعتبار الوجوب والبعث ،
من غير دخالة الأغراض والملاكات فيه .
فإذا أمر المولى ببناء مسجد ولم يكن فوق ذلك أمر متوجّه إلى المأمور ، يكون ذلك نفسياً
وإن كان لأجل غرض ، وإذا أمر ذلك المأمور بإحضار الأحجار والأخشاب لأجل التوصّل
إلى ذلك المبعوث إليه وتوقّفه عليها ، يكون غيرياً ، لكن إذا صدر منه أوامر ابتداء إلى
أشخاص ، فأمر شخصاً بشراء الأحجار ، وآخر بإحضارها ، وثالثاً بتحجيرها وتنقيشها ،
تكون تلك الأوامر نفسية ، وإذا أمر لأجل التوصّل إلى تلك المبعوث إليها يكون غيرياً ، مع
أنّ كلّها لأغراض ، وهي ترجع إلى غرض أقصى فوقها ، والأمر سهل . ( مناهج الوصول 1 :
371 - 372 )