هذا ، لكن يرد عليه : أنّ دلالة الإشارة إنّما تتأتّى فيما إذا كان للمدلول
واقع ونفس أمريّة ، مع قطع النظر عن الدلالة واللّفظ ، وأمّا فيما لا يكون كذلك ،
كالإنشائيّات التي لا تحصُّل لها إلاّ بنفس الإنشاء ، ويكون استعمال ألفاظها في
معانيها استعمالاً إيجاديّاً ، فلا يتأتّى فيها ذلك ؛ فإنّ ما يكون تحصّله متقوّماً
بالإنشاء لا يمكن فيه عدم إرادة الإفهام حتّى يكون الإفهام بدلالة الإشارة ؛ لأنّ
تحقّق المعاني الإنشائيّة إنّما يكون بالإنشاء والإيجاد المتقوِّمين بالقصد ، فكيف
يمكن مع عدم قصد الإفهام - الذي يرجع إلى عدم قصد الإنشاء ، وإلى عدم
الإنشاء - تحقُّقُ ما هو متقوِّم ومتحقِّق به ؟ !
والشيخ المحقّق الأنصاري - على ما في تقريرات بحثه - أرجع هذا
التقسيم إلى الثبوت واللُّب ، لا الدلالة والإثبات ، فحينئذ يرتفع الفرق بينه وبين
التقسيم إلى النفسي والغيري ، فراجع ( 1 ) ( 37 ) .
هامش
1 - مطارح الأنظار : 66 / السطر 9 و 78 / السطر 33 و 79 / السطر 9 .
37 - والظاهر أنّ التقسيم إلى الأصلي والتبعي بحسب مقام الإثبات ولحاظ الخطاب ، وهو
تقسيم معقول في مقابل سائر التقسيمات ، وإن لا يترتّب عليه أثر مرغوب فيه .
والمحقّق الخراساني أرجعه إلى مقام الثبوت : بأنّ الشيء إذا كان متعلّقاً للإرادة والطلب
مستقلاّ - للالتفات إليه بما هو عليه ممّا يوجب طلبه ، سواء كان طلبه نفسياً أو غيرياً -
يكون الطلب أصلياً ، وإذا كان متعلّقاً لها تبعاً لإرادة غيره - لأجل كون إرادته لازمة
لإرادته من دون التفات إليه بما يوجب إرادته - يكون تبعياً .
ولكن ورد عليه : أنّ الاستقلال إن كان بمعنى الالتفات التفصيلي يكون في مقابله
الإجمال والارتكاز ، لا عدم الاستقلال بمعنى التبعية ، فيكون الواجب النفسي - أيضاً -
تارة مستقلاً ، وتارة غير مستقلّ ، مع أنّه لا شبهة في أنّ إرادته أصلية لا تبعية ، وإن كان
بمعنى عدم التبعية فلا يكون الواجب الغيري مستقلاّ ، سواء التفت إليه تفصيلاً أولا . ( مناهج
الوصول 1 : 406 )