تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كفاية الأصول دروس في مسائل علم الأصول — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
شرح
إن قلت : أفلا يكون مقتضى التوحيد والاعتراف بوحدانية الخالق ، هو الالتزام بأنّ ما يحصل في الكون - ومنها أفعال العباد - مخلوقة للّه ( سبحانه ) ، لئلاّ يكون مؤثّراً في الوجود وخالقاً للكون إلاّ هو وإنّما يصحّ العقاب حينئذ على فعل العبد ، فلأجل أنّ الفعل في الحقيقة وإن كان بإرادة اللّه ، إلاّ أنّ اللّه تعالى يريد فعل العبد ، إذا تعلّقت إرادة العبد به ، فيكون المؤثّر في ذلك إرادة اللّه ، والعبد أيضاً أراد تحقيقه وإيجاده ، ولكن إرادته لا تؤثّر في الواقع شيئاً ، ويعبّر عن إرادة العبد كذلك بالكسب ، فيكون العقاب على كسب العبد ، وإن شئت فلاحظ من أراد رفع حجر عن مكان ، باعتقاد أنّه متمكّن من رفعه ، ولكن عند تصدّيه للرفع يظهر عدم تمكّنه منه ، فيضع شخص آخر أقوى منه يده تحت ذلك الحجر ويرفعه ، فارتفاع الحجر عن مكانه يكون برفع هذا الشخص الثاني خاصّة ، ويستند الرفع إليه دون الأوّل ، إلاّ أنّ سبب رفع الثاني للحجر هو تعلّق إرادة الأوّل برفعه ، ولأجله لا مانع من إسناد الرفع إلى المريد خاصّة . قلت : إنّ ما ذكر لا في تصحيح العقاب يجدي ولا في التحفّظ على وحدة الخالق والمؤثّر في الكون ومنه أفعال العباد . أمّا الأوّل ; فلأنّه لا يصحّ عند العقل أن يذمّ رافع الحجر حقيقة ، مريدَ الرفع خاصّة ويوبّخه على الرفع ; لأنّه لم يرفعه ، بل أراد رفعه فحسب ، فالتوبيخ والذمّ يرد على رافع الحجر حقيقة الذي هو الشخص الثاني . نعم يصحّ توبيخ الأوّل على إرادة الرفع لا على نفس الرفع ، وإذا فرض أنّ إرادته أيضاً فعل مخلوق يكون المؤثّر فيه إرادة اللّه ( سبحانه ) فلا يصحّ عقابه ولا توبيخه على الإرادة المخلوقة ، وإن قيل بأنّ إرادة المريد ناشئة عن مباديها ، ومباديها ناشئة عن خبث السريرة والشقاوة الذاتيّة