إن قلت : إنّ الكفر والعصيان من الكافر والعاصي ولو كانا مسبوقين بإرادتهما ،
إلاّ أنّهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار ، كيف ؟ وقد سبقهما الإرادة الأزليّة والمشيّة الإلهيّة ، ومعه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالآخرة بلا اختيار ؟ .
قلت : العقاب إنّما بتبعة الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن
شرح
( تعالى ) ومشيّته ، حيث إنّ خطور الفعل والتصديق بفائدته والميل ( أي هيجان الرغبة ) والجزم بعدم المانع لا يكون من واجب الوجود حتّى لا يحتاج إلى علّة ، ولا يكون حصولها بإرادة العبد وإلاّ لزم التسلسل ، فلا بدّ من أن يؤثّر فيها إرادة اللّه ( تعالى ) ومشيّته ، فتكون النتيجة أنّ العقاب والمؤاخذه تكون على ما يكون بالمآل بلا اختيار ، وهذا في الحقيقة مذهب الجبرية ، وهو أنّ المؤثّر في فعل العبد إرادة اللّه ( تعالى ) ومشيّته .
وأجاب عن ذلك أنّ العقاب يكون على الكفر والعصيان ، وبتعبير آخر : استحقاق العقاب يتبع الكفر والعصيان ( أي يلزمهما ) والكفر والعصيان يتبعان إرادتهما ، وإرادتهما ناشئة عن مبادئها الناشئة عن الشقاوة الذاتية للكافر والعاصي ، واللازم الذاتي لا يحتاج إلى الجعل والعلّة ، فإنّ " السعيد سعيد في بطن أُمّه ، والشقيّ شقيّ في بطن أُمّه " ( 1 ) ، و " النّاس معادن كمعادن الذهب والفضة " ( 2 ) كما في الخبر . وعليه فالإطاعة والإيمان من المؤمن والمطيع تتبع إرادتهما الناشئة من مبادئها الناشئة عن السعادة الذاتية اللازمة لخصوص الذات ، ونتيجة كلّ ذلك ، بما أنّ لوازم الذات لا يتعلق بها الجعل ، فلا تكون مبادئ إرادة الطاعة والإيمان أو الكفر والعصيان
هامش
( 1 ) التوحيد للصدوق ( رحمه الله ) : ص 356 ، الباب 58 ، الحديث 3 .
( 2 ) الروضة من الكافي : 8 / 177 ، الحديث 197 ; مسند أحمد بن حنبل : 2 / 539 .