وأمّا الدفع ، فهو أن استحالة التخلف إنّما تكون في الإرادة التكوينية وهي العلم بالنظام على النحو الكامل التام ، دون الإرادة التشريعية ، وهي العلم بالمصلحة في فعل المكلّف . وما لا محيص عنه في التكليف إنّما هو هذه الإرادة التشريعية لا التكوينية ، فإذا توافقتا فلا بد من الإطاعة والايمان ، وإذا تخالفتا ، فلا محيص عن أن يختار الكفر والعصيان .
إن قلت : إذا كان الكفر والعصيان والإطاعة والإيمان ، بإرادته تعالى التي
شرح
وأجاب ( قدس سره ) بثبوت التكليف الجدّي في حقّ الكفار والعصاة بثبوت الإرادة في موارد التكليف ، حتّى بالإضافة إليهما ، ولا يلزم تخلّف إرادة اللّه ( عزّ وجلّ ) عن مراده ; لأنّ الثابت في موارد التكليف هي الإرادة التشريعية ، وتخلّف هذه الإرادة لا محذور فيه ، وإنّما المحذور في تخلّف الإرادة التكوينية عن المراد ، ولا يلزم في موارد التكاليف ثبوت الإرادة التكوينية على وفاق الإرادة التشريعية .
وتوضيح ذلك على ما ذكره ( قدس سره ) أنّ الإرادة التكوينية التي هي من صفات الذات للّه ( جلّ وعلا ) هي العلم بالنظام على النحو الكامل التام ( 1 ) ، وهذه الإرادة لا يمكن أن تتخلّف عن المراد . وأمّا الإرادة التشريعية فهي العلم بالصلاح في فعل العبد وهذه الإرادة التي لا بدّ منها في التكليف يمكن أن تتخلّف ، وعلى ذلك فإن توافقت الإرادة التشريعية والتكوينية بأن كان العلم بالصلاح داخلا في العلم بالنظام على النحو الكامل التامّ ، فلا بدّ من الإطاعة والإيمان ، وإذا لم يدخل فيه فلا بدّ من أن يختار العبد الكفر والعصيان حيث إنّ ما لم يرد بالإرادة التكوينية لا يكاد يوجد .
هامش
( 1 ) كشف المراد : 314 ; الأسفار : 6 / 360 ; شرح المنظومة : 184 . هذا التفسير للإرادة هو المعروف والمشهور عند الفلاسفة وعندهم أنّها من صفات الذات لا من صفات الأفعال .