وهو آخذ بيديه إحدى نعليه والأخرى في رجله .
فقال له : يا أبا معمّر ، ما حال النّاس ؟
قال : انهزموا .
قال : فما بالك إحدى نعليك في يدك وأخرى في رجلك ؟
فقال أبو معمّر : ما شعرت إلَّا أنّهما في رجلي .
فعرفوا يومئذ ، أنّه لم يكن له إلَّا قلب واحد لمّا نسي نعله في يده .
في شرح الآيات الباهرة ( 1 ) : قال محمّد بن العبّاس - رحمه اللَّه - : حدّثنا محمّد بن الحسين بن حميد بن الرّبيع ( 2 ) ، عن جعفر بن عبد اللَّه المحمّدي ، عن كثير بن عيّاش ( 3 ) ، عن أبي الجارود ، عن أبي عبد اللَّه - عليه السلام - في قوله - عزّ وجلّ - : ما « جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ » قال : قال عليّ بن أبي طالب - صلوات اللَّه عليه - : ليس عبد من عبيد اللَّه ممّن امتحن قلبه للأيمان إلَّا وهو يجدّد ( 4 ) مودّتنا على قلبه ، فهو يودّنا . وما من عبد من عبيد اللَّه ممّن سخط اللَّه عليه إلَّا وهو يجدّد ( 5 ) بغضنا على قلبه ، فهو يبغضنا . فأصبحنا نفرح بحبّ المحبّ ونغتفر له ، ونبغض المبغض . وأصبح محبّنا ينتظر رحمة اللَّه - عزّ وجلّ - فكأن أبواب الرّحمة قد فتحت له . وأصبح مبغضنا على شفا جرف من النّار ، فكان ذلك الشّفا قد انهار به في نار جهنّم . فهنيئا لأهل الرّحمة رحمتهم ، وتعسا لأهل النّار مثواهم . إنّ اللَّه - عزّ وجلّ - يقول ( 6 ) :
فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ .
وإنّه ليس عبد من عبيد اللَّه يقصّر في حبّنا لخير جعله اللَّه عنده . إذ لا يستوي ( 7 ) من يحبنا ويبغضنا ، ولا يجتمعان في قلب رجل أبدا . إنّ اللَّه لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه ، يحب . بهذا ويبغض بهذا . أمّا محبّنا ، فيخلص الحبّ لنا كما يخلص الذّهب بالنّار لا كدر فيه ، ومبغضنا على تلك المنزلة . نحن النّجباء ، وأفراطنا أفراط الأنبياء ، وأنا وصيّ الأنبياء ( 8 ) .
والفئة الباغية من حزب الشّيطان ، والشّيطان منهم . فمن أراد أن يعلم حبّنا ، فليمتحن قلبه .
هامش
1 - تأويل الآيات الباهرة ، مخطوط ، ص 159 - 160 .
2 - المصدر : محمد بن الحسين بن جميل بن الربيع .
3 - المصدر : كثير بن عبّاس . ر . تنقيح المقال 2 / 360 ، رقم 9838 .
4 - المصدر : يجده .
5 - المصدر : يجد .
6 - النحل / 29 .
7 - هكذا في المصدر . وفي النسخ : لا يسوّي .
8 - المصدر وم وس وأ : الأوصياء .